الممر الوحيد للمدينة المحاصرة .. كيف حولته السلطات الحكومية إلى طريق ترابي كامل مقابل أكثر من 10 مليار ريال؟
الثلاثاء 24 يناير ,2023 الساعة: 02:18 مساءً
الحرف28 - عمر التميمي


يكاد الطريق الوحيد الذي يربط مدينة تعز المحاصرة بالعالم، يتحول إلى قصة مشابهة لحرب تحرير المدينة من قبضة الحوثيين: بدأت الحرب قبل ٨ سنوات بحصار المدينة  وهاهي السعودية تفاوض الحوثيين للخروج من الحرب، بينما الحصار مايزال مطبقا على تعز رغم إطلاق عديد عمليات إعلامية لاستكمال تحرير المحافظة. 

تعد طريق "التربة-تعز" الرئة والمتنفس الوحيد، بل شريان الحياة، لسكان مدينة تعز المحاصرة ، والذي يصلهم بالعاصمة المؤقتة عدن وعبره تصل المواد الغذائية والمشتقات النفطية وغيرها من السلع والحاجات الأساسية التي يحتاجها سكان المدينة. 

الطريق أصبح متهالكا بشكل كبير بسبب تعثر مشروع صيانته طوال السنوات السابقة ، رغم الإعلان عنه أكثر من مرة. 

وتعرض مشروع صيانة طريق "التربة - تعز"، للعرقلة أكثر من مرة منذ اعتماد المشروع، مرورًا بوضع حجر الأساس والإعلان عن تدشينه، وصولًا إلى الأعمال الإنشائية التي بدأ العمل فيها من قبل شركات المقاولات المُنفِذة. 

وما يزال في ذات الوقت عنوان وجع مدينة تعز، التي تفرض عليها مليشيا الحوثي حصارًا مُحكمًا منذ نحو 8 سنوات، وزاد الطين بِله، تعثر مشروع الصيانة لفترات طويلة، ليتحول المشروع إلى قصة أخرى لعبث يضرب تعز على نحو مقصود من اتجاهات الحوثي والتحالف والحكومة.

*وعود وتصريحات بلا نتيجة 

في العاشر من مايو/ أيار 2022 أعلن محافظ تعز نبيل شمسان تدشين البدء بتنفيذ المشروع على ثلاث مراحل وبوقت واحد والانتهاء منه خلال الفترة المتفق عليها، بتكلفة 10 مليار ومائة وواحد وتسعين مليون ريال بتمويل من صندوق صيانة الطرق والجسور في عدن. 

وخلال الافتتاح جرى التأكيد من قبل المحافظ وصندوق صيانه الطرق ، أن المشروع سينفذ خلال 5 أشهر فقط، وسيتم سفلتة الطريق الممتد من جولة نادي الصقر ببير باشا شمال غرب المدينة إلى مدخل مدينة التربة جنوبا بطول 70 كيلو متر، بمواصفات عالية، وبناء الجدران الساندة وعبارات المياه. 

ولضمان الإنجاز في الوقت المحدد قال مدير فروع صندوق صيانة الطرق أنه جرى تقسيم المشروع إلى ثلاثة مقاطع وتسليم العمل فيها إلى ثلاث شركات مقاولات على أن يبدأ العمل في المقاطع الثلاثة بنفس الوقت. 

وفقا للمخطط فإن شركة آرم ستار ستبدأ تنفيذ المقطع الأول من جولة نادي الصقر ببير باشا إلى مدخل مفرق يفرس بطول 23 كم. 

وحازت شركة المليكي المقطع الثاني الممتد من مفرق يفرس حتى الصافية بطول 24 كم، فيما استحوذت شركة الخضيري على المقطع الثالث والذي يمتد من الصافية حتى مدخل التربة بطول 23 كم.

خيبة أمل 

مطلع ديسمبر 2022، توقفت أعمال المشروع في المقاطع الثلاثة بشكل مفاجئ، وقامت شركات المقاولات الثلاث بسحب كافة آلياتها المستخدمة في الطريق من المقاطع الثلاثة المخصصة لكل شركة.

وحاول موقع الحرف 28  الاستفسار عن سبب التوقف بالاتصال بمكتب الأشغال العامة والطرق في محافظة تعز، عبر مسؤول قسم المخالفات صدام عجلان لكنه امتنع عن الرد و التعليق حول الموضوع.

ردود أفعال
يتعرض الشريان الوحيد للمدينة لضغط رهيب في حركة النقل، فهو الوحيد الذي يربط المدينة المزدحمة بمئات الآلاف من السكان بالعالم، ومع ذلك فقد تحول إلى ميدان آخر للعبث السافر من قبل السلطة المحلية والحكومة.

وحتى الآن نجحت السلطة المحلية والحكومة في مهمة وحيدة : تحويل الطريق الإسفلتي المتهالك إلى ترابي كامل، وكلفت العملية أكثر من عشرة مليار  ريال 

قبل البدء بالعمل بالمشروع قامت الشركات الثلاث بخلع الإسفلت السابق  وتحويل الخط إلى طريق ترابي مليئ بالحفر ومدمر بشكل شبه كلي. 

وكان الناس يحتملون المشقة بوعد إنجاز مشروع الصيانة والسفلتة، لكن كل شيئ تبدد وتحول إلى كابوس مع توقف العمل به وانتهاء المدة المحددة دون انجاز حتى الربع منه.

وأثار التوقف سخطا شعبيًا كبيرا لدى أبناء مدينة تعز، والسائقين، والناشطين على وسائل على التواصل الاجتماعي. 

يقول السائق "صلاح الرحال"، أن تعثر الطريق له تبعات خطيرة، حيث سبب الكثير من الأمراض للسالكين عبر هذا الطرق، والأكثر تضررا من الغبار هم مرضى الربو، والمواطنين الذين يسكنون في أماكن قريبة من الخط.

وكتب المصور خالد القاضي على صفحته بالفيس بوك " نجح القائمون على مشروع طريق ‎تعز التربه في دحض قانون الفيزياء واثبتوا إمكانية عودة الزمن الى الوراء مبرهنين بذلك إعادة الطريق 200 عام للوراء". 

ورغم أن المشروع مازال متعثرا، لكن بعض المناطق التي جرى إصلاحها بواسطة الخرسانات المسلحة لم تحرص على رفع مخلفاتها  إذ تتناثر بقايا حديد التسليح في الطريق وهو ما يسبب خطرا على حياة راكبي السيارات. 

ويقول السائق صلاح الرحال إن ظهور أسنة حادة في الطريق بات يهدد المركبات وشاحنات النقل، كون ذلك يشكل خطرا على الإطارات، ويؤدي إلى انفجارها وربما حصول حوداث خطيرة. 

معايير مختلة 

لا أحد يعلم على وجه التحديد كيف جرت عملية ارساء مناقصة  المشروع، ولا ماهي المعايير التي أهلت الشركات الثلاث لكي تحصل على المناقصة. 

وتدور شبهة فساد كبيرة حول المشروع وعلاقة ملاك هذه الشركات الثلاث بنافذين في قيادة السلطة المحلية والحكومة. 

وقد حاول الحرف 28 التقصي بشأن عملية ارساء المناقصة والتعرف على هوية الشركات وملاكها، لكن الكثير من المعنيين يرفضون الحديث. 

سبق لبعض هذه الشركات العمل في صيانة طريق هيجة العبد، ويبدو ان مواصفات عملها السيئة وعدم التزامها بالمدة المحددة هي التي أهلتها للحصول على عقد مشروع طريق التربة تعز.
يقول الصحفي عابد محمد إن " الشركات التي تسلمت العمل هي ذاتها التي تتولى أعمال صندوق صيانة الطرق في العاصمة المؤقتة عدن، ولدى بعضها سوابق في الفساد والتلاعب بمشاريع ترميم نقيل هيجة العبد، و ليس لها أي رصيد ممتاز في مشاريع الطرقات الكبيرة".

وفقا لهذه المعطيات، يعتقد عابد " أن الفساد المالي والإداري في منح المناقصات للشركات غير المؤهلة، يعد في صدراة الأسباب التي أدت إلى توقف المشروع". 

بسبب عدم الشفافية لم يعلن عن العطاءات المقدمة ولا المواصفات والغترة الزمنية التي تقدمت بها الشركات المنافسة، لذلك تبدو  كواليس ادارة المناقصة والدهاليز التي جرت فيها الطبخة غير معلومة للكثيرين.

لكن الصحفي عابد يقول "  أن الفارق بين الشركات المتقدمة على المناقصات بالجوانب المالية يتجاوز 200 مليون ريال، وتم اختيار أعلى سقف مالي بدون أي معيار يذكر".

استناف العمل 

في السادس من يناير/ كانون الثاني 2023م أعلن صندوق صيانة الطرق والجسور الإدارة العامة عدن، عن استئناف العمل بعد توقف دام لأسابيع. 

لكن استئناف العمل شمل المقطع الثاني لشركة المليكي فقط من طريق التربة- تعز، فيما لايزال العمل في المقطع الأول والثالث متوقف حتى الآن. 

مع نهاية هذا الشهر ستكون الفترة المحددة لإنهاء المشروع قد تضاعفت بنسبة 90 في المئة، بينما الأشغال فيه تراوح في مكانها وإن تحركت فببطئ شديد.
اللافت أن الشركات والسلطات المعنية تدشن العمل بالمشاريع الإنشائية إن وجدت في زمن الحرب، في أوقات هطول الأمطار، ليتحول هذا السبب المناخي إلى ذريعة للمطالبة بتعويضات ومد فترة العمل،و التنصل من تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في المناقصات، في بلد بلا حسيب ولارقيب. 

يقول بعض الناشطين في تعز بتهكم : لقد نجحت الحكومة والسلطة المحلية في إعادة الطريق إلى زمن ماقبل الإسفلت، مقابل أكثر من 10 مليار ريال.


Create Account



Log In Your Account