اكتئاب ما بعد الولادة.. مُر يتعاظم مع الحرب في اليمن
الثلاثاء 26 ديسمبر ,2023 الساعة: 09:54 مساءً
الحرف28 - غدير الحاجبي - خاص


"الشعور بالندم والقلق والخوف والتفكير بالخلاص من كل ما هو حولي"، هذا هو الشعور الذي كابدته أريج سعيد (29 عامًا) بعد أن أنجبت طفلها الأول قبل 14 شهرًا.
ظل هذا الشعور يراودها لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر وقتها لم تكن تعلم أنها تعاني من "اكتئاب ما بعد الولادة" إلا بعد أن صادفت مقطع فيديو تمثيلي على فيسبوك يُحاكي حالة تُشبه وضعها.

اكتئاب ما بعد الولادة ، هو أحد أشكال الاكتئاب الشديد الشائعة نسبيًا بين الأمهات، وهو عبارة عن مزيج من التغيرات السلوكية والجسدية، يرافقها تقلبات في المزاج والشعور العام باليأس أو الحزن لفترة طويلة بعد الولادة.

الإنجاب المبكر – بعد أقل من سنة على زواجها – والمعاناة التي واجهتها أريج خلال فترة الحمل وما رافقتها من تغيرات هرمونية ومشاكل صحية جعلتها تشعر أنها لم يعد بكونها ممارسة حياتها الطبيعة و"أنني مقيدة وحياتي تغيرت"، حد قولها.
تتذكر تلك الفترة التي تصفها بـ "العصيبة" وتكمل حديثها "فكرت مرارًا التخلص من طفلتي. كنت أكرهها وأكره نفسي أيضًا. لا أريد الجلوس في المنزل أو التدخل في شؤوني".

تتمثل الأعراض الشائعة لاكتئاب ما بعد الولادة بـ "الشعور بالحزن، وعدم القدرة على الاستمتاع بالأشياء التي عادة ما تجلب لك المتعة والتعب أو فقدان الطاقة وضعف التركيز بالإضافة إلى تدني احترام الذات والثقة بالنفس مع وجود اضطراب في النوم وتغيرات في الشهية"، بحسب منظمة اليونسيف

كما تبرز أعراض أخرى تتمثل في صعوبة التعلق بالطفل والابتعاد عن العائلة والأصدقاء والغضب وسهولة الاستثارة بصورة حادة ونوبات الهلع والقلق الشديد وأفكار تتعلق بإيذاء الطفل أو تكرار أفكار الموت أو الانتحار.

ولا توجد إحصاءات رسمية بعدد النساء اللاتي أصبن أو مصابات باكتئاب ما بعد الولادة في اليمن. وتشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية، إلى أن نحو 13 % من النساء حول العالم يعانين من الاكتئاب بعد الولادة، وفي الدول النامية ترتفع النسب إلى 20 %. وبحسب دراسة حديثة إلى أن أكثر من ثلث النساء في العالم يعانين من مشاكل صحية دائمة بعد الولادة من بينها الاكتئاب.

تأثيرات المرض
ابتسام قائد، دكتورة نساء وولادة ومسؤولة سابقة في الصحة الإنجابية بمكتب الصحة والسكان بمديرية التعزية بمحافظة تعز (جنوب غرب اليمن)، تقول إن المرأة خلال الحمل وحتى الولادة تمر بنوعين من الاكتئاب وهما "الكآبة النفاسية واكتئاب ما بعد الولادة وهذا الأخير شائع بين النساء، وكلاهما مختلفان فالأول يحدث في الأيام الأربع الأولى بعد الولادة وعادة تتحسن المرأة منه دون الحاجة لعلاج".

أما النوع الآخر من الاكتئاب فيستمر فترة أطول من الكآبة النفاسية وقد تصل مدته إلى ثلاثة أسابيع وفي بعض الأحيان يصل إلى عام، وأعراضه أكثر حدة، ما يستدعي مراجعة الطبيب والخضوع لجلسات دعم نفسي، وفقًا للدكتورة قائد.

ويعتقد باحثون، أن اكتئاب ما بعد الولادة لدى الأم يمكن أن يؤثر على النمو الصحي للطفل والذي يمكن أن يسبب "مشاكل في اللغة أو التعلم والسلوكيات وإصابته بقصر القامة والسمنة بالإضافة، إلى مشاكل في التعامل مع التوتر والتكيف مع المدرسة والمواقف الاجتماعية الأخرى".

"صعب وجنوني"
البيئة التي لا تراعي الحالة النفسية وتغيب فيها الرعاية الصحية الجيدة للأم الحامل مثّلت مشكلة لدى سناء خلال فترة اكتئاب ما بعد الولادة التي لا تزال تعاني منه إلى الآن على الرغم من مضي عام على وضع طفلتها.

وتقول سناء (اسم مستعار)، إنّها مرت بمشاكل صحية خلال فترة الحمل ولم تحظى برعاية كافية وعند الولادة تبيّن أنها "مصابة بضمور في الدماغ.

وتضيف : "عشت لحظات صعبة وتفاقم عندي الاكتئاب، وتغيرت تصرفاتي تجاه الأشخاص من حولي وأتصرف معهم بلا شعور وبعصبية، كل ما أريده هو النوم بمفردي والبكاء".

كانت لدى الفتاة العشرينية – أيضًا - مشاكل أسرية وضغوطات نفسية بسبب تردي الوضع المعيشي، وبحسب المنظمة الدولية لدعم ما بعد الولادة (PSI) فإن النساء اللاتي يعانين من ضغوط مالية وأسرية أو لديهن تاريخ عائلي من القلق أو الاكتئاب أو خضعن لعلاجات العقم أو مصابات بخلل في الغدة الدرقية أو لديهن إصابة بمرض السكر، هُنّ عرضة للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة.

أيضًا نُهى، ظلت تخوض بصمت معركتها مع الاكتئاب لمدة أربعة أشهر بعد أن وضعت مولودها الأول. وتختلف حالة نُهى البالغة من العمر 27 عامًا، عن أريج أنها لم تهمل طلفها – كنان – الذي وضعته قبل عشرة أشهر، وتعاملت معه بشكل طبيعي.
تقول: "كنت على وشك الجنون بسبب الشرود الذهني الدائم والبكاء بلا سبب معظم الوقت وكنت أشعر بإحساس غريب تجاه جسمي وأطرح الكثير من التساؤلات بشأن التغيرات التي حدثت به بسبب الولادة، لكني كنت أحب طفلي ولم أفكر بأن أمسه بسوء".

قاطع كنان حديثنا ببكائه لكن بعد أن أعطته "الرضّاعة"، أكملت حديثها عن تعامل أسرتها مع وضعها النفسي، حيث تضيف "لم يُبدون أي اهتمام. كانت أخواتي والنساء المقربات مني يضحكن على حالتي وكنت اسمع منهن عبارة: أنجبنا أطفالًا قبلك ولم يحدث معنا كما يحصل معك الآن".

"لقد كانت مرحلة شاقة لم أعشها من قبل لكن تغلبت عليها بصعوبة كبيرة"، تختتم حديثها.

بحسب النساء الثلاث اللاتي يعشن في محافظة تعز، فإنهن فكرن خلال إصابتهن بالاكتئاب في الحصول على علاج نفسي سواء عقاقير أو جلسات لكنهن ترددن في ذلك خوفًا من الوصم المجتمعي بالإفصاح عن المشاكل النفسية.

ويفتقر اليمن لأعداد الأطباء النفسيين، إذ تشير  احصائيات وزارة الصحة إلى أن عددهم 59 طبيبًا و300 عاملين صحيين متخصّصين في الصحة النفسية.

مشفى واحد
في حدود 1500 امرأة يُصبن سنويًا باكتئاب ما بعد الولادة في مديريات محافظة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، وهذه الإحصاءات ليست شاملة عموم المديريات، وفق نائب منسق البرنامج الوطني للصحة النفسية بمكتب صحة تعز، علي عبده الحاج، الذي يقول إن "هناك حالات كثيرة لم تصل للمراكز الصحية سواء بسبب ثقافه المجتمع أو الخوف من الوصمة الاجتماعية".

ويوجد في محافظة تعز التي تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد سكان البلاد، مستشفى واحد لتقديم خدمات الصحة النفسية ويغطي المحافظة وبعض مديريات محافظات الحديدة ولحج وإب.

ويشير الحاج إلى أنه مؤخرًا تم افتتاح "عيادتين للصحة النفسية في تعز بالإضافة إلى تدريب 56 عاملًا صحيًا في 17 مركز صحي في عشر مديريات على تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي".

طرق الوقاية
أما بالنسبة لطرق الوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة، ينصح الحاج بـ"تجنب الزواج المبكر، واتباع إرشادات التثقيف في الصحة الإنجابية وتباعد الحمل وضرورة طلب المساعدة من الطبيب عند ظهور الأعراض بالإضافة إلى رفع وعي المجتمع بشكل عام والنساء بشكل خاص باستخدام استراتيجيات تخفيف الضغوط النفسية فضلًا عن ممارسه الرياضة والنوم الجيد التغذية الجيدة والمتوازنة".

ويشدد على ضرورة رفع وعي المجتمع بأن المرض النفسي حالة مرضية يمكن التعامل معها وعلاجها كبقية الأمراض الأخرى.

*تم إنتاج هذه المادة ضمن مخرجات برنامج التغطية الإعلامية الجيدة لقضايا الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي ينفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان.


Create Account



Log In Your Account