ماذا صنعنا كي يكون اليمن "أمريكا"؟
الأربعاء 05 نوفمبر ,2025 الساعة: 07:53 مساءً

برزت في الآونة الأخيرة ، علي هامش فوز ممداني بعمدة مدينة نيويورك ، كتابات تتساءل، ببراءة  مصطنعة وسذاجة ثقافية، لو كان "ممداني" في اليمن، هل كان سينجح؟ وهل بالمناسبة كتابات تتكرر عند فوز اي مهاجر او مسلم في بلد الهجرة بالغرب . 

مثل هذا التساؤل  يوهم القارئ بالنقد، لكنه في جوهره يستخف بالحقائق، ويتعامل مع القيم وكأنها هبات سماوية تهطل على الشعوب بحسب موقعها الجغرافي، لا ثمرة وعيها ونضالها وتاريخها.

ذلك المنهج التسطيحي يغفل أن ما وصلت إليه أمريكا لم يكن هدية قدر، بل حصيلة نضال فكري طويل، فكّك أمراض المجتمع وأعاد بناء الدولة على أسس فكرية وسياسية راسخة، جعلت من احترام الدستور والعقد الاجتماعي دينا مدنيا لا يُتهاون في العبث به.

لقد تأسست أمريكا على أسس سياسية محوها الإنسان و جوهرها حقوقه علي الأرض الامريكية ، وليبرالية اقتصادية مركزها حرية السوق، وتنوّع مجتمعي عابر للحدود العرقية والدينية واللونية.

كان لرأس المال فيها دور منظم في دعم الحرية، لا في إفسادها، وفي توسيع دائرة المشاركة، لا في احتكارها.

تعليم حر ، ومؤسسات مستقلة ، وخرية بحث ممولة ، في تزاوج خلاق بين رأس المال ،انتج الدهشة الامريكية ، التي صعدت الفضاء ، وغزت كل بيت ، وارتكبت كل الموبقات  .

أما نحن، فأين نحن من ذلك؟
نظامنا السياسي قائم على القوة والاستبداد، بلا حريات حقيقية، تغذّيه ثقافة النفاق، وتخنقه القوانين المقيّدة والمؤسسات المشلولة، وتعطّله الحروب المتواصلة والتعليم الموجّه الذي يصنع التبعية بدل الوعي.

وعلى مستوى رأس المال، فما زال الاقتصاد بدائيا هشا، ورأس المال اليمني على الهامش، بعيدا عن المشاركة في العمل العام، متحوّلا إلى أداة للفساد والتبعية، يشتري الذمم، ويؤسس الولاءات، ويخنق الكفاءات.

المليشيات سمّمت الحياة في بلداننا — من الحوثي في اليمن إلى حزب الله في لبنان، ومن الميليشيات القومية إلى اليسار المثالي — جميعها اختطفت مفهوم الدولة وأفسدت روح العيش المشترك.

فهي لا تقتل الأجساد فقط، بل تسمم الوعي وتخرّب العلاقات الإنسانية اليومية، حتى أصبح الدين غطاءً للتسلط، والقومية ذريعة للإقصاء، واليسار منغلقا في مثاليته، يلغى حرمة الجار في المسكن، وحق الإنسان في الوطن.
لقد تحوّل السلاح إلى عقيدة، والتعصب إلى هوية، والولاء إلى معيار للوجود، فغابت الدولة، وتلاشى القانون، وتحوّل المجتمع إلى خرائط خوف ومناطق نفوذ.

قدّم الأمريكيون نضالات فكرية ومجتمعية من أجل قيمهم، بينما نحن ما زلنا نقدّس الحاكم ونمارس النفاق باسم الوطنية، ونتفاخر في أوروبا بليبرالية زائفة، ثم نعود إلى بلداننا بعقلية العصبية والطاعة العمياء.
ما زال مقهى "القطرة الأخيرة" في أسكتلندا شاهدا على أرواح المفكرين الذين ضحّوا لأجل التغيير والكرامة، فيما نحن نعيش على أطلال حضارة كانت يوما يمنية، ثم اندثرت حين خلفها أتباع بلا وعيٍ ولا نضال، يجيدون بيع الولاء والتآمر، ويتقنون الخطابة أكثر مما يدركون معنى الحرية.

تابع ما يجري هذه الأيام، وتأمل ما يكتبه من نسمّيهم "نخبا"؛
كيف انقسمنا إلى جيشين من العملاء، كلّ يعيّر الآخر بعمالته لخصمه، في مشهد يعرّي حجم السقوط الأخلاقي والسياسي معًا.
في الغرب، نعيد إنتاج انقساماتنا نفسها، نتنازع على جاليةٍ صغيرة أو مركزٍ هامشي، وننقسم بحسب الولاءات الحزبية والمناطقية، وكأن الغربة لم تكن درسًا في الوعي، بل مساحةً جديدة لتكرار الخراب.

لم نتعلّم من السوريين أو اللبنانيين والصومال كجاليات وليس دول ، ولو الحدَّ الأدنى من التوافق على فكرة الوطن.
لدينا جيل أدمن " المُزَابَنَة " و"المُطَابَنَة" من أجل المال، جيلا يحترف بيع المواقف كما تباع السلع، جيلا بلا بوصلة ولا مشروع، يتغذّى على فتات الأنظمة، ويظنّ أن الوطنية تقاس بعدد المنشورات لا بعمق المواقف.

لسنا نفتقد "ممداني" كشخص، بل نفتقد البيئة التي تُنجب أمثاله.
لم نخلق في اليمن  وبقية دول العالك الثالث فضاء ينصت للفكر الحر، ولا مؤسسات تحمي الكلمة، ولا مجتمعا يرى في النقد بناء لا خيانة.
وأمةٌ تخاف من مفكّريها، وتكفّر مثقفيها، وتصفق لجلاديها، لا يمكن أن تنتج عبقريا ولا قائد أخلاقيا.
لقد صنعنا أجيالا تمجّد الماضي وتلعن الحاضر وتخاف المستقبل، ونظاما يقتل الطموح في المهد، وشعوبا تعيش على ذاكرة منكسرة بلا وعي ولا إرادة.
وما لم نبدأ بنقد أنفسنا بصدقٍ وشجاعة، ونستعيد جوهر قيمنا العربية والإسلامية الأولى — الحرية، والعدل، والكرامة، والشورى — فلن نكون يوما في موقع من يصنع النموذج، بل سنظل نعيش على هامش العالم، نحلم أن نكون "أمريكا"، بينما نفقد أنفسنا كل يوم أكثر.
باختصار 

قالت تعالي (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

قال تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ )


Create Account



Log In Your Account