مركز دراسات يحذر من تداعيات التفاهم الأمريكي الحوثي
السبت 19 سبتمبر ,2026 الساعة: 03:34 مساءً

حذّر مركز المخا للدراسات من أن التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي، في حال استمرارها، قد تنجح في خفض تهديد المصالح البحرية الأمريكية والإسرائيلية، لكنها لن تعني بالضرورة إنهاء الحرب في اليمن، مؤكداً أن إدارة الخطر البحري تختلف عن تسوية الصراع اليمني ومعالجة أسبابه السياسية والأمنية.

وقال المركز، في قراءة تحليلية لتداعيات اللقاء الأمريكي الحوثي في مسقط، إن التفاهمات المحدودة قد تفتح قنوات اتصال أو تسهم في خفض استهداف بعض السفن، لكنها لن تحسم قضايا السلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة والموارد وشكل الدولة والترتيبات الأمنية والسيادة الوطنية، محذراً من أن فصل أمن البحر الأحمر عن القضية اليمنية قد يؤدي إلى تعامل دولي مع الحوثيين في الملفات التي تمس المصالح المباشرة، بينما يبقى المسار السياسي اليمني متعثراً.

ورأى المركز أن هذا المسار قد يتحول إلى عامل إضافي في إطالة أمد الصراع المسلح، بدلاً من الدفع نحو تسوية شاملة وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، وفي مقدمتها القرار 2216، إذا اقتصر التعامل مع الحوثيين على إدارة المخاطر التي تهدد المصالح الدولية دون معالجة جذور الأزمة اليمنية.

وحدد مركز المخا ثلاثة مسارات محتملة لتطور التفاهمات، أولها استمرار تفاهمات محدودة بين واشنطن والحوثيين تركز على عدم استهداف السفن والمصالح الأمريكية والإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار الضغط الحوثي على السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وهو ما يعني انتقال واشنطن من المواجهة المباشرة إلى إدارة انتقائية للمخاطر، مع بقاء أمن البحر الأحمر هشاً، لأن تحييد طرف معين من الاستهداف لا يمنع انتقال التهديد إلى أطراف أخرى.

أما المسار الثاني، فيتمثل في إمكانية اتساع التفاهمات الحالية إلى ترتيبات أوسع تتعلق بحرية الملاحة ووقف استهداف السفن التجارية، وربما تشمل ترتيبات مرتبطة بالساحل اليمني والجزر في البحر الأحمر وخليج عدن. ويرى المركز أن مسقط يمكن أن تشكل قناة لفتح هذا المسار وتطويره، إلا أن نجاحه سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على فصل الملف البحري عن تعقيدات الصراع اليمني والإقليمي.

في المقابل، يبقى احتمال انهيار التفاهمات والعودة إلى التصعيد قائماً، خصوصاً إذا تغيرت المعادلة الإقليمية، أو توسع الاستهداف الحوثي، أو تعرضت سفن ومصالح أمريكية لهجمات، أو جرى ربط مضيق باب المندب بصورة أكبر بمسار التصعيد في مضيق هرمز. وفي هذه الحالة، قد تعود واشنطن إلى أدوات الردع العسكري، بما قد يقود إلى مزيد من عسكرة البحر الأحمر وتفاقم المخاطر على حركة التجارة والطاقة.

وأكد المركز أن التفاهمات الأمريكية مع الحوثيين تمثل مؤشراً على تحول في طريقة إدارة المخاطر المرتبطة بالبحر الأحمر، خصوصاً مع انتقال باب المندب إلى صلب معادلة التصعيد الإقليمي، مشيراً إلى أن تزامن التصعيد في مضيق هرمز مع التهديدات المرتبطة بباب المندب أدخل الموقع اليمني في معادلة إقليمية أوسع، وجعل أمن البحر الأحمر جزءاً من شبكة مترابطة من الضغوط والمصالح والتفاوض.

وأشار إلى أن التفاهمات كشفت، في الوقت ذاته، عن مفارقة في السياسة الأمريكية تتمثل في إمكانية الفصل بين الموقف القانوني من الحوثيين والتعامل العملي معهم عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية، محذراً من أن استمرار هذا النمط قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية انتقائية تصبح فيها حماية الملاحة مرتبطة بهوية السفينة وطبيعة التفاهمات بين الأطراف، بدلاً من الاستناد إلى منظومة مشتركة وموحدة لحماية الملاحة الدولية.

ولفت مركز المخا إلى أن التداعيات المحتملة لا تقتصر على الولايات المتحدة واليمن، إذ قد تجد السعودية ودول الخليج العربي نفسها أمام حاجة متزايدة إلى تنويع خياراتها وشراكاتها الأمنية، في ظل تحول أمن باب المندب إلى قضية ترتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية، ولم يعد من الممكن التعامل معها باعتبارها شأناً أمريكياً أو سعودياً أو يمنياً منفرداً.

وبحسب المركز، فإن التطور الأكثر أهمية بالنسبة لليمن يتمثل في انتقال الجغرافيا اليمنية من كونها مجرد مسرح للنزاع إلى إحدى أدوات التأثير فيه، وهو ما يفرض عدم إدارة أمن البحر الأحمر بمعزل عن الحرب الدائرة على اليابسة اليمنية، لأن التفاهمات التي قد تنجح في تحييد خطر بحري بصورة مؤقتة يمكن أن تخفف كلفة التصعيد على بعض الأطراف، لكنها لا تعالج مصادر النزاع التي أنتجت هذا الخطر.

وخلص مركز المخا للدراسات إلى أن مستقبل التفاهمات الأمريكية الحوثية سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على الانتقال من تفاهمات محدودة لإدارة المخاطر إلى ترتيبات أكثر استقراراً، أو بقائها في إطار صفقة أمنية جزئية قابلة للانهيار مع تغير المعادلات الإقليمية، مؤكداً أن أمن الملاحة في البحر الأحمر، مهما كان مساره، سيظل مرتبطاً بصورة مباشرة بمآلات الصراع اليمني والتوازنات الإقليمية المحيطة به.


Create Account



Log In Your Account