الإثنين 26 أكتوبر ,2026 الساعة: 08:44 مساءً
في جبل صبر، حيث تتكئ البيوت على خاصرة الجبل كأنها تحكي أسرار اليمن القديمة، وتتلو سورة سبأ على مآذن المدينة.
هناك كانت مشيرة النقيب تُعلّم الأطفال حروف القرآن الكريم. كلمة "اقرأ" كانت مفتاحها، و"بسم الله" كانت بدايتها، لكنها لم تكن تعلم أن "اقرأ" نفسها ستُقرأ عليها يوماً بصوت المدافع، وأن قذائف "المسيرة القرآنية" القادمة من جبال صعدة ستكون هي الجواب، وهي المكافأة على كل آية حفظتها.
يا لها من مفارقة عجيبة، بين جبل يتعلّم العلم وجبل يُقرّر القتل، تُكتب حكاية اليمن الجديد، وقصة المليشيات الإجرامية باسم القرآن الكريم.
دعونا نضع النقاط فوق الحروف، أو بالأحرى فوق القذائف: في صعدة، حيث يعتكف السيد عبدالملك الحوثي — "قرين القرآن الكريم" كما تُصرّ السردية — كان القرار قد اتُّخذ. تعز يجب أن تُخضَع، واليمن يجب أن تُسلَّم.
لا تقولوا سلطة، ولا حكماً، ولا شهوة تملّك؛ فهذه كلها مفردات "القرآن الناقص لديكم معشر اليمنيين". السلطة هنا استحقاق إلهي، وأصل من أصول الدين، ومعادلة بسيطة كقذيفة هاون هي الحقيقة: من آمن بولاية السيد عبدالملك فهو مؤمن، ومن كفر بها فهو كافر بالقرآن وبرسالة محمد. وبين هذا الإيمان وذاك الكفر، كانت مشيرة النقيب تقف على الحدّ الفاصل، لا تدري أنها الهدف، وإن رسالتها هي المطلوب، لأنها قرأت مصحف عثمان ولم تقرأ في مصحف فاطمة، وما كان لها أن تستمر على قيد الحياة.
مشيرة النقيب، مدرّسة القرآن في جبل صبر، لم تكن تعلم أن قتلها ليس ضحية جرم ولا معصية ولا حتى محل تأنيب ضمير السيد زعيم الجماعة وقائد المسيرة القرآنية. بل هي — حسب المنطق الإمامي الحمزاوي — تقرّب إلى الله مثلها مثل دم المطرفية الذي سُفك في جبال همدان قبل قرون، وتلك قصة أخرى في قتل العباد حفظة القرآن كما يصفهم قاتلهم نفسه الإمام عبدالله ابن حمزة!
نعم، قتل مشيرة تقرّب لله، لأن القرآن الذي كانت تدرّسه للأطفال هو، في ميزان المسيرة، "قرآن ناقص، فارغ المحتوى، بلا روح تسري على الأرض". مشيرة لم تكن تحيط علماً بالقرآن لأنها لم تأخذه عن "أعلام الهدى"، ولم تتدبر آياته المحكمات التي — كما يروون — نزلت في الإمام علي وذريته، ولم تأمر الناس بالسمع والطاعة لسلطة العترة النبوية عليهم السلام. لذلك جاءها سلاح "القرآن الناطق" ليصحح لها فهمها قبل الممات، ويُعلمها باطن القرآن الكريم بالقذائف النارية.
فيا لطف الله بنا في كل مكان! في اليمن وحدها قرآنٌ يُكمَّل بالقذائف، وتفسيرٌ يُبلَّغ الناس بالهاون.
هنا في تعز، في معركة الصمود، يتكشّف لنا سرّ التكفير الذي يبيح دماء اليمنيين في الشمال والجنوب، وهو كذلك كان منذ قدوم الهادي ابن الحسين الرسي إلى اليمن عام 284 هجرية.
مشيرة كافرة في نظر المسيرة القرآنية، لا لأنها أنكرت سماوية القرآن والوحي، بل لأن القرآن الذي كانت تدرّسه أصبح حجة عليها! حجة لأنه يقول — حسب تفسيرهم — إن عبدالملك الحوثي صنائع الله، واليمنيين صنائع لهم. هكذا قالها الإمام علي بن أبي طالب في رسالته إلى معاوية: "فإن صنائع الله والناس بعد صنائع لنا".
صنائع الله هم الذين خلقهم الله للسلطة والحكم وأكل خمس مال المسلمين، وليس للعبادة والزهد، ومن لم يؤمن بهذا الحديث مثل مشيرة النقيب وغيرها في اليمن فهو كافر وفاسق يستحق القتل — حتى لا يتعرض القرآن الكريم للتحريف أو للفهم الناقص والمغلوط، أو حتى لا "يطلع القرآن عمى" كما قال أحدهم في قناة المسيرة الفضائية.
نعم، في مذهب عبدالملك الحوثي، يصبح القتل حمايةً للعقيدة، والدم تفسيراً للقرآن، والقذيفة بياناً سياسياً في طاعة سلطة آل البيت، حتى يكون الحكم لله وحده لا شريك له، وتكون السلطة لأولاد رسول الله وحدهم لا شريك لهم. والقول بغير ذلك يقودنا إلى سؤال: ماذا يعني توحيد الله وإسلام محمد إذا تشارك الناس في سلطة قال الرسول إنها حق أبناء النبي وحدهم؟
لا تظنوا أيها اليمنيون أن ما يجري في اليمن قتال في سبيل الاستبداد بالحكم أو السيطرة على الثروة. حاشا لله! أعلام الهدى لا يبتغون ذلك ولا يلهثون وراء ملذات الدنيا. بل هو ابتغاء مرضاة الله، وجهاد في سبيل تصحيح مفهوم القرآن الكريم على يد المسيرة القرآنية التي يتزعمها العالم الرباني الجليل، بحر الأنوار، ومهبط أسرار القرآن، علم الهدى، ابن رسول الله السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي.
نعم، ابن رسول الله — حتى لو قال القرآن الكريم: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم". فالسيد عبدالملك يقرأ القرآن، لكنه وحده يقرأه كما يريد، ويفسره كما يريد، ويقتل كما يريد، ويبقى ابن رسول الله، ولو كره المفسرون.
بين آيةٍ قرآنية تُنكر النسب ورواية سلالية تُثبته، وتلقّف كل هبري إلى شجرة العترة الحقيقيين، يتساءل العقل اليمني ساخراً: أيهما نُصدّق، كتاب الله القادم من مكة والمدينة المنورة أم قرينه القادم من كهوف صعدة؟
خلاصة القول؛ في جبل صبر، دُفنت مشيرة النقيب مع قرآنها "الناقص حسب زعمهم"، بينما في صعدة، بقي السيد عبدالملك يقرأ قرآناً "كاملاً" على مسامع الأتباع. لكن المفارقة الكبرى — التي لا يجرؤ أحد على قولها في حضرة المسيرة — أن القرآن الذي أنزل على محمد بن عبدالله، والذي قال فيه الله "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، لم يكن يوماً بحاجة إلى قذائف لحمايته، ولا إلى "قرين" ليُكمل نقصه، ولا إلى سلالي ليُصلح تحريفه.
القرآن الذي حُفظ في الصدور قبل السطور، والذي وعته مشيرة النقيب وأطفال تعز وجبل صبر، ورتلت آياته في جامع المظفر والأشرفية وجامع الجند وابن علوان، ومدارس تعز وجامعة تعز، لا يحتاج إلى شهادة من جبال صعدة، ولا من جبال الديلم في طربستان.
أخيراً، من يحتمي بالقرآن ليقتل مدرّسة قرآن، ويدّعي النسب النبوي ليكمل ما نقص من حسبه، فليعلم أن التاريخ — لا القذائف — هو من سيكتب الفصل الأخير في معركة الخلاص.
والفصل الأخير في اليمن، يُسقط دائماً كل مستبد وظالم حتى لو ادّعى أنه ابن الرسول، وفي المقابل ستبقى مدرّسة القرآن في جبل صبر، وحدها، هي التي كانت تقرأ القرآن وترتل "اقرأ" كما أُنزلت على رسول الله الذي لم يكن أبا أحد من رجالكم.