شباب فبراير المنسيين في السجون.. حكومة " الوفاق " التي تجاهلتهم 3 أعوام، والإنقلاب الذي ضيق الخناق عليهم " تقرير خاص "
السبت 24 مارس ,2018 الساعة: 07:49 مساءً
خاص

بلغة مفعمة بمشاعر الخذلان، يشكو المعتقل،محمد المراني، أحد شباب الإنتفاضة السلمية في 2011،من عذاب السجن وما يشبه الإخفاء القسري منذ سبع سنوات.
في السجن المركزي بحجة شمالي غرب صنعاء، يقبع المراني و17 آخرين من رفاقه الذين اعتقلتهم أجهزة نظام صالح على ذمة إنتفاضة 2011، و يشاطرهم ذات المعاناة، 5 آخرين من شباب فبراير في السجن المركزي بالعاصمة، الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
ماهو أسوأ أن 13 ناشطاً من شباب فبراير لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اللحظة وفقاً للمحامي والمستشار القانوني عبدالرحمن برمان.

في الشكوى التي تناقلها ناشطون على وسائط التواصل الإجتماعي، تأكد الحرف 28من صحتها،يقول محمد المراني " سبع سنوات عجاف مرت علينا بالسجن ..أخذت منا كل شيئ، كل حلم جميل وأبقت لنا الآمنا وأوجاعنا ..ظلمات بعضها فوق بعض ...ظلمات السجن والسجانين الذين لم يدخروا جهدا لقهرنا ".

يتحدث المعتقل بمرارة عن " حالة الخذلان " وممارسات سلطات السجن التي تمنع عنهم زيارات أهاليهم، وعلاج المرضى منهم وحق الدفاع عن أنفسهم والترافع أمام المحكمة، وقد تسبب كل ذلك بإنهاكهم وعائلاتهم مادياً ونفسياً.

لقد أجبرت الإنتفاضة الشعبية السلمية في البلاد التي شارك فيها الشاب المراني ورفاقه في ساحات الإنتفاضة السلمية في حجة،الرئيس السابق علي عبدالله صالح على التنحي عن السلطة، لكنها عجزت عن الإفراج عن رفاق الكفاح في صنعاء وحجة.







خذلان رفاق الثورة
يسيطر على محمد المراني شعور فادح بالخذلان ويتحدث بعتاب وألم عن ما يسميها ظلمات"إخواننا ورفاقنا من شباب الثورة ومناصريها الذين تخلوا عنا ونسوا كل شيئ جميل تقاسمناه معهم وكل حلم وأمل ربطنا به مصيرنا ككل.."
يعترف المحامي والمستشار القانوني عبدالرحمن برمان في حديث لـ الحرف28" بوجود "إهمال كبير من قبل مكونات الثورة الشبابية" ويقول إن عدداً قليلاً من المحامين والناشطين تحركوا من أجل هذه القضية.
وفق تسوية(المبادرة الخليجية )، مُنح الرئيس الذي ارتكب المجازر بحق المحتجين سلمياً الحصانة من الملاحقة القانونية عن كافة الجرائم المرتكبة طيلة فترة حكمه والأموال المنهوبة، بينما ظل هؤلاء الشباب رهن السجن والإعتقال.
لثلاث سنوات ،من سبع عجاف التهمها القهر من عمر محمد المراني ورفاقه، كان هناك حكومة تشكلت نتيجة الإنتفاضة الشبابية قادت البلاد، وكان على رأسها محمد سالم باسندوة، ممثلاً لأحزاب اللقاء المشترك، الإئتلاف الحزبي المعارض الذي تولت أطرافه آنذاك الحديث باسم الإنتفاضة.
كان رئيس هذه الحكومة التي صعدت أطرافها على تضحيات الشباب، يُكثر من البكاء العلني،لكن عيناه لم تدمع يوماً لبقاء هؤلاء رهن السجن والإخفاء، وكان أول ما أقدم عليه: العمل على إقرار قانون تحصين الرئيس السابق.
يقول محمد المقبلي، الإعلامي وأحد الوجوه البارزة لانتفاضة 2011 في حديثه لـ"الحرف 28"، إن ماحدث لرفاقه "كان أشبه بمعاقبة الضحية وتحصين الجلاد وهذا مسلك الفاشيات في كل أنحاء الارض من أقصاها لأقصاها".
ويتابع : " إن شباب الثورة في اليمن المعتقلين ظلما وعدوانا يجسد حالة اختلال العدالة في بلد أكثر ما يحتاج إلى العدالة الانتقالية للتخلص من ميراث القمع والمنع".
عند تشكيل حكومة "الوفاق" برئاسة باسندوة، كانت سجون نظام صالح تغيب 192 معتقلاً في سجون رسمية وأخرى سرية.
بحسب المحامي برمان فقد تقدم ورفاقه المحامين ونشطاء في منظمات بلائحة تضم أسماء المعتقلين، لوزير الداخلية في حكومة الوفاق آنذاك عبدالقادر قحطان " وتم الافراج عن الكثير منهم".
بعض هؤلاء المعتقلين كانوا في أماكن سرية " وخرجوا بعد عدة أشهر من أماكن لايعرفونها وعليهم آثار التعذيب.." يقول برمان.

13 مخفي قسرياً مصيرهم مجهول حتى الآن

يكشف المحامي والمستشار القانوني ماهو أخطر، إذ أكد وجود 13 معتقلاً غيبتهم سجون صالح " لانعلم مصيرهم، هل مازالو أحياء أو قد قضوا نحبهم.. ".
بالإضافة الى هؤلاء المخفيين قسراً وغير المعروف مصيرهم بعد حتى الآن، تبقى 5 من شباب الإنتفاضة السلمية، معتقلين على ذمة قضية الهجوم على دار النهدين الرئاسي الذي استهدف الرئيس السابق نهاية مايو 2011.
وطبق تقارير صحفية فقد تم تصفية عديدين من الضباط والأفراد من حراسات صالح وقتها على ذمة الهجوم، بينما تم اعتقال خمسة من شباب إنتفاضة فبراير السلمية وتوجيه اتهامات لهم بالضلوع في الواقعة.
يؤكد المحامي برمان بأن هؤلاء " ليس لهم أي علاقة بهذه القضية وأنها التهمة لفقت لهم ويتم محاكمتهم في جريمة لاعلاقة لهم بها".
وسط هذه المعاناة كان محمد المراني و17 من رفاقه في الجانب الآخر، يقضون فترة إحتجاز ظالمة في السجن بحجة، ويبدو أن الشباب الذين اعتقلوا على ذمة انتفاضة 2011 السلمية، فقد واجهوا تهماً في واقعة لم يكن لهم يد فيها.
ويقول برمان، إن المعتقلين في حجة، كانوا 19 شابا ً " وقد توفي أحدهم على ذمة مقتل مدير الأمن في إحدى المسيرات عام 2011".
بالإضافة الى المعتقلين في صنعاء وحجة كان هناك آخرين في تعز .
وتؤكد الأكاديمية وعضو مؤتمر الحوار الوطني ولجنة صياغة الدستور د. الفت الدبعي بأن " تعز أستطاعت عبر قاضيها الساري الدفاع عن هؤلاء المعتقلين وإخراجهم من السجن وعلى رأسهم ماهر المقطري، وبقى شباب الثورة الآخرين في سجون صنعاء وحجة حتى الآن".
يعيد برمان بقاء المعتقلين في السجون طيلة الفترة الماضية قبل الانقلاب، الى "تعنت الرئيس السابق صالح والذي كان يقف حائلا أمام الافراج عن هؤلاء".
لكن هذا لا يمكن أن يكون سبباً كافياً ومقنعاً بينما كان هناك حكومة تقودها المعارضة التي خولت نفسها الحديث باسم الثورة ونسيتهم في السجون.
يتهم المستشار القانوني حكومة باسندوه (الوفاق الوطني) بإهمال هؤلاء المعتقلين والمخفيين قسراً "واستثنائهم بينما كان الأجدر بها أن تتخذ قرار بالافراج عن هؤلاء جميعًاً".
وأضاف قائلاً : الأطراف المُوَقِعة على المبادرة الخليجية تتحمل المسؤولية القانونية و الإنسانية باعتبارها جاءت للتسوية الكاملة بالإضافة إلى رئيس الجمهورية باعتبار أنه كان يملك كل شيء بيده.


الأحزاب متهمة بتصفية ملف شباب الثورة

طوال 3 سنوات من المشاركة في العملية السياسية التي أعقبت توقيع المبادرة الخليجية تبين بأن ملف هؤلاء المعتقلين لم يحظى بالعناية اللازمة من قبل الأطراف السياسية الموقعة على المبادرة الخليجية باسم الإنتفاضة الشعبية،وربما لم يخطروا على البال أصلاً.
لكن الناشط محمد المقبلي يذهب أبعد من ذلك باتهام الأحزاب السياسية بأنها " حاولت تصفية ملف شباب الثورة منذ وصلت إلى السلطة في المبادرة الخليجية".
" لم تكن (هذه الأحزاب ) مهتمة بالحقوق والحريات ". يضيف المقبلي.
وتقول الدبعي التي زارت المعتقلين في سجن حجة في وقت سابق من عام 2014 إن " الساسة المحسوبين على الثورة وزملاء المعتقلين" كانوا غائبين طيلة هذه الفترة عن الشباب والدفاع عنهم وتخليصهم من السجون.
وزاد الأمر تعقيداً وسوءاً بالنسبة للمعتقلين على وقع إنقلاب 21 سبتبمر 2014 الذي دبره الرئيس السابق صالح بالتحالف مع الحوثيين ومساندة ودعم اقليمي وتواطوء دولي، فقد جرى تضييق الخناق أكثر على المعتقلين السابقين، بينما استقبلت السجون الآلاف من المعتقلين الجدد، بينهم المئات من شباب فبراير وقيادات حزبية ومسؤولين حكوميين.
ويقول محمد المراني، إن ظروفه ورفاقه تفاقمت مع توقف المرتبات، فقد التهمت السنوات السبع " كل مدخراتنا واستنفدت كل مالدينا وأقاربنا.. وقد مسنا واهلنا الضر".
تطفح رسالة المراني بالأسى الحارق من خذلان الجميع حتى أولئك الذين " ادخرناهم لهكذا مصيبة فأغلقوا دوننا آذانهم وهواتفهم" .
مع تفاقم الوضع الإقتصادي البائس ومايشبه الإنهيار التام جراء الحرب التي أشعلها الحلف الإنقلابي وتحويل البلاد ساحة صراع إقليمي، لا يتلقى محمد المراني ورفاقه المعتقلين وأسرهم سوى إعانة بسيطة لا تزيد عن خمسة عشر الف ريال كل شهرين.
تخاطب الرسالة، باستياء، قيادة اقليم تهامة باعتبارهم " المعنيون بمظلمتنا والذين لم نسمع منهم سوى الوعود والتسويف لأنه ليس فينا من أقاربهم ولا من أصحاب الجاه والنفوذ وإلا لكان الأمر مختلفا".
وتقول د. الفت الدبعي إن هؤلاء المعتقلين خلال السبع سنوات من احتجاز حريتهم " عانوا الكثير حتى أن بعضهم من المحسوبين على الجيش الوطني تم إسقاط رواتبهم ليضيف معاناة إلى معاناتهم ...بعضهم أصيب بأمراض والبعض الآخر تشردت أسرته وبعضهم أصيب بحالة اكتئاب".
رغم المحنة القاسية لهؤلاء المعتقلين في غياهب السجون تعسفاً وظلماً، يبدو حالهم أقل فداحة بالنسبة للجانب الآخر المظلم من الصورة، فهم موجودون في معتقلات معروفة، لكن 13 معتقلاً آخراً من شباب انتفاضة فبراير 2011، مازالوا مخفيين ومجهولي المصير ليظل السؤال فاغراً فاه كسجن : هل مازالوا على قيد الحياة أم باتوا في عداد الأموات؟
لكن إذا كانوا قد قضوا فأين جثثهم .
تلك أسئلة لم تخطر طيلة 3 أعوام على بال أي من مسؤولي حكومة، زعموا أنهم جاءوا لتحقيق أهدف "الثورة" لكنهم لم ينقذوا حتى "الثوار".


Create Account



Log In Your Account