كيف أوقد التونسي "بوعزيزي" شعلة ثورة فبراير باليمن؟
السبت 19 ديسمبر ,2020 الساعة: 10:42 مساءً


لم توقد شعلة المواطن التونسي محمد بوعزيزي لهيب الثورة في تونس فحسب، بل توهّجت في صنعاء أيضا، فكان صدى هتافات المحتجين في شوارع تونس يدوّي في أرجاء اليمن، ليجد شبابها في ثورة الياسمين بريقا ملهما للتغيير السلمي.

بعد خطاب "الآن فهمتكم" للرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، خرج عدد من شباب اليمن وصحافييه ومثقفيه في مسيرة بصنعاء يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2011، متوجهين إلى السفارة التونسية لمباركة ثورة الشعب التونسي، وإيذانا بحراك جديد سيشهده اليمن.

قوبلت المسيرة بالقمع والاحتجاز لبعض المشاركين، ومنهم الحاصلة على جائزة نوبل توكل كرمان، وعضو مجلس النواب عيدروس النقيب.

وبهذا الحراك، دخلت صنعاء فصلا جديدا ممهدا للثورة الشبابية الشعبية السلمية، وبدأ طلاب جامعة صنعاء يجوبون شوارع المدينة بهتافات الحرية والمطالبة بالتغيير، لتغادر العاصمة اليمنية حالة السبات ولتستيقظ على وقع حلم يراود شبابها الطامح بدولة مدنية حديثة تصون الحقوق وتقوم بواجباتها لتحقيق حياة حرة وكريمة للمواطنين.

صنعاء تحيي ثوار تونس
في 16 يناير/كانون الثاني 2011، خرجت مسيرة حاشدة أخرى من أمام جامعة صنعاء صوب السفارة التونسية على إيقاع هتافات أنشودة إرادة الحياة لأبي القاسم الشابي، لتترنم الأصوات: "إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر".

ومن هناك أعلنت القيادية في الثورة الشبابية توكل كرمان -لأول مرة- مطلب الجماهير برحيل أسرة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، المتحكمة بمقاليد الحكم في اليمن حينها.

وخاطبت كرمان -في كلمة لها أمام المحتشدين- الرئيس السابق صالح ونظامه الذي وصفته بالفاسد، بأن يرحلوا قبل أن يرحّلوا، معتبرة أن ثورة الياسمين أشعلت ثورة الشعوب العربية، وأعادت الثقة لنفوس الجماهير بقدرتها على انتزاع الكرامة.

وردد المتظاهرون هتافات ثورية، منها: "من صنعاء ألف تحية.. لتونس الحرية"، و" ثورة ثورة يا شعوب.. ضد الحاكم المرعوب"، و"يا بوعزيزي يا مغوار.. نحن معك على خط النار.. ضد الحكام الأشرار".

كسرت تلك المسيرات حاجز الخوف لدي معظم اليمنيين الذين علت أصواتهم، ليس فقط للتعبير عن التضامن مع الشعب التونسي وإنما للتعبير عن مطالب شعبية أوقدت روح الثورة.

هتف المحتجون حينها "أين الوحدة والثورة؟ أصبحنا ملك الأسرة"، في إشارة إلى توجه النظام حينها لتوريث الحكم والتفريط بقيم الثورة والوحدة.

وكانت ثورة 11 فبراير/شباط تتمدد في المحافظات اليمنية بحماسة لا مثيل لها، رغم القمع الذي وُوجهت به والدماء التي نزفت من أجل مستقبل جديد ومزدهر ما زال اليمنيون ينتظرونه حتى اليوم.

بعدها، لم يغادر وهَج الثورة سماء صنعاء واليمن حتى أسقطت الثورة الشبابية الرئيس السابق صالح، وأحدثت تغييرا في انتقال محدود للسلطة لم يكن ملبيا لطموح الثورة والثوار.

وحدة الثورة والمعاناة
يقول الصحافي عادل عبد المغني إن استجابة الشعوب العربية لصوت الثورة في تونس دليل على واحدية الثورة العربية، وواحدية المعاناة والمشاكل التي تعاني منها الشعوب العربية.

ويضيف -في حديثه للجزيرة نت- أن الحراك الرافض للبطالة وتقييد الحريات في تونس كان تعبيرا عن واقع تعيشه كل الشعوب العربية الواقعة تحت سطوة أنظمة القمع، وغياب العدالة الاجتماعية والمساواة في المواطنة.

ويرى أن ثورة الياسمين كانت ملهمة لثورات الربيع العربي في اليمن ومختلف الدول العربية، بسلميتها ووعي أبنائها، معتبرا هذا الوعي -إلى جانب وجود مؤسسات دولة حقيقية- حافظ على إنجازات الثورة وحمى تونس من الانزلاق في أتون الفوضى.

ويقول إن عقودا من القمع والكبت والفساد والإقصاء تفجّرت فجأة كصرخة مدوية من حناجر الشعوب التي عبّرت عن مظالم تنشد الحرية والمساواة ونيل الحقوق، وتحلم بمستقبل أفضل.

ويشير عبد المغني إلى أن غالبية ثورات الربيع العربي لم تكتمل، وانتهت إلى مآلات كارثية نظرا لغياب المؤسسات الضامنة في هذه الدول.

خيبة وانكسار
يبدو الوضع اليوم مخيبا بالنسبة لثوار 11 فبراير/شباط في اليمن، بعد إجهاض ثورتهم ودخول بلادهم في مأزق الحرب، وتحولها إلى أوجاع بلد مزقته الحرب وشرّدت أبناءه الصراعات.

ويرى متابعون أن أسبابا كثيرة أجهضت ثورة الشباب في اليمن، أبرزها غياب المؤسسات الوطنية الحقيقية وفي مقدمتها مؤسستا الجيش والأمن، إضافة إلى سيطرة الأحزاب السياسية على الثورة، والتدخلات التي فرضت تسوية عبر المبادرة الخليجية.

ويتحدث هؤلاء عن ثورة مضادة للربيع العربي كانت اليمن إحدى الساحات التي شهدت فصولها، وهي مدعومة من دول معادية لثورات الربيع، وكانت تخشى أن تصل إليها رياح التغيير.

وبعد 10 سنوات على ثورة الياسمين التي هبَّ نسيمها إلى بلدان عربية عدة، يبقى الجدل في الشارع اليمني بين من يحمّل الثورة أسباب الأوضاع التي تعيشها البلد اليوم، ويدعم هذا الطرح مؤيدو النظام السابق، وبين من يحمّل الثورة المضادة والانحرافات التي رافقت الثورة مسؤولية هذا الوضع والخراب الذي حل ببلد صار مطمعا لأجندات خارجية وساحة حرب بالنيابة.

والمؤسف أن شعلة الأمل التي توهّجت في آفاق اليمن قبل 10 سنوات ناشدة التغيير السلمي، خفتت اليوم مع علوّ أزيز الرصاص واحتراب اليمنيين وصراعات الإقليم، لكنها لم تنطفئ وستبقى جذوتها في انتظار جيل حالم ينفخ فيها روح التحدي والإصرار كما يقول نشطاء.

المصدر : الجزيرة


Create Account



Log In Your Account