حرب الجزر والقواعد العسكرية، أطماع إماراتية بغطاء سعودي .. هذا ما يجري في جزيرة ميون اليمنية؟ (تقرير خاص)
الإثنين 31 مايو ,2021 الساعة: 06:02 مساءً
الحرف28 – خاص

إحتلت جزيرة ميون اليمنية التي تشق  المضيق الأهم جنوبي البحر الأحمر، عناوين الأخبار والنقاشات الساخنة والتحركات الداخلية خلال أسبوع، ومازالت تفاعلاتها مستمرة.

وأماطت تقارير صحفية بشكل حاسم الستار عن ما ظلت تردده منصات ووسائط إعلامية طيلة عامين، عن ضلوع الإمارات في إنشاء  قاعدة عسكرية في الجزيرة بدون إذن من الحكومة اليمنية برغم مزاعم انسحابها العسكري من البلاد.

وجاءت هذه التقارير عقب تداول ونشر صور لسياح أجانب جلبتهم الإمارات إلى أرخبيل  سقطرى اليمنية الخاضعة لسيطرة مجاميع شكلتها وسلحتها أبوظبي سيطر ت على الجزيرة بالقوة بعد طرد الجيش اليمني والإستيلاء على معداته، بوجود عسكري سعودي
.

 ويبدو أن الحرب الدائرة في اليمن منذ أكثر من 6 سنوات، قد جددت الأطماع القديمة بالجزيرة وموقعها الإستراتيجي الذي تعاركت حوله قوى كبرى قبل قرنين من الزمان، لكن هذه المرة بواسطة أدوات اقليمية تلعب دور الوكيل للقوى الكبرى وترتبط بعلاقات وثيقة بإسرائيل.

تعد الجزيرة البركانية إحدى أهم نقاط التفتيش البحرية المهمة للعديد من شحنات الطاقة والبضائع التجارية في العالم.

 وسبق لبريطانيا أن احتلت الجزيرة المتحكمة بحركة الملاحة جنوبي البحر الأحمر، عندما احتلت عدن عام1839 وحاولت فرنسا منافستها، عقب شق قناة السويس من خلال محاولة الاستحواذ على منطقة الشيخ سعيد في  باب المندب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر للوصول الى الجزيرة.

الإعتراف السعودي .. دور المملكة المساند لأبوظبي

و دفع الإهتمام السياسي والإعلامي والغضب الشعبي التحالف العربي بقيادة السعودية إلى الإعتراف بوجود قاعدة عسكرية، لكنه نفى وجود أي قوات عسكرية إماراتية في البلاد، الأمر الذي عزز الشكوك بالدور السعودي الذي يمثل غطاء للسلوك والأنشطة الإماراتية الماسة بسيادة البلد بحسب محللين يمنيين.

وفي الغضون شهدت القضية تفاعلات غير مسبوقة إعلاميًا وسياسيًا، أدت إلى إثارة الموضوع عبر بعض أعضاء مجلس النواب، وانضم اليهم أعضاء في مجلس الشورى ورئيسه أحمد عبيد بن دغر الذي وجّه رسالة إلى الحكومة لتشكيل لجنة تحقيق بشأن ما يجري في جزيرة ميون وسقطرى.

كانت البداية عندما أفادت وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية، الثلاثاء الماضي بأن قاعدة جوية "غامضة" يتم بناؤها في جزيرة ميون اليمنية، التي تقع بمنطقة استراتيجية عند مضيق "باب المندب".

واستعانت الوكالة بصور جوية عبر الأقمار الصناعية أظهرت إنشاءات واستحداثات في الجزيرة.

 وأظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية في 11 أبريل/ نيسان الماضي، نشرتها "أسوشييتد برس"، شاحنات تفريغ وممهدات بناء مدرج طائرات بطول 1.85 كيلومتر على الجزيرة، واكتملت عملية البناء في 18 مايو/ أيار الجاري، كما تم تشييد 3 حظيرات (صالات) للطائرات جنوبي المدرج مباشرة، وفق الوكالة الأمريكية.

الوكالة الأمريكية نقلت عن مسؤولين في الحكومة اليمنية، لم تسمهم، قولهم إن "الإمارات هي من تقف وراء بناء هذه القاعدة، رغم إعلانها في 2019 سحب قواتها من حملة عسكرية بقيادة السعودية لمحاربة الحوثيين في اليمن".

غضب نيابي يمني  وتشويش بركاني!

وفور نشر التقرير اشتعلت تفاعلات وغضب يمني على منصات التواصل الإجتماعي، دفع النائبان علي المعمري، ومحمد أحمد ورق، لتوجيه أسئلة للحكومة عبر مجلس النواب عن ما أثير بشأن  القاعدة العسكرية.


واضطر رئيس المجلس المقرب من الإمارات سلطان البركاني، مع حالة الإلحاح الشعبي  لإحالة الأسئلة  الى رئيس الحكومة معين عبدالملك الذي يلتزم الصمت حيال ما يحدث في عديد مناطق يسيطر عليها التحالف بينها سقطرى وجزيرة ميون.

لكن البركاني لم يترك الأمر يمر بدون تشويش، فقد وجه رسالة أخرى بالتزامن، لرئيس الحكومة على نحو مريب، محيلاً سؤال بشأن موضوع جانبي تثيره وسائل الإعلام المحسوبة على الإمارات يحمل إسم عضو مجلس نواب يدعى اللهبي موالي لنجل الرئيس السابق المقيم في الإمارات.

على نحو واضح بدا أن السؤال يهدف لتشتيت انتباه اليمنيين بغرض المناكفة السياسية، والتغطية على أنشطة الإمارات في الجزر اليمنية، طالب  اللهبي عبر البركاني بتشكيل لجنة تحقيق بشأن "وجود عمليات تجنيد خارج الشرعية في تعز"، بصورة أكدت انزعاج هذه الشخصيات والموالين لأبوظبي من إثارة  الإنشاءات العسكرية  الإماراتية في الجزيرة .

ومع الضغط الإعلامي والشعبي إضطر التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن الخميس الفائت إلى الاعتراف بأنه " أسس وجودا على جزيرة إستراتيجية عند مدخل البحر الأحمر لمواجهة التهديدات المحتملة للتجارة البحرية من قبل جماعة الحوثي".

ونقل بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس) عن مسؤول في التحالف لم تذكر اسمه أن "ما يوجد من تجهيزات في جزيرة ميون هي تحت سيطرة قيادة التحالف وفيما يخدم تمكين قوات الشرعية وقوات التحالف من التصدي لمليشيات الحوثي وتأمين الملاحة البحرية وإسناد قوات الساحل الغربي".

تعليقًا على بيان التحالف بشأن جزيرة ميون، قال عضو مجلس النواب، علي عشال، إن بيان التحالف "أثبت صحة المعلومات، وأظهر بوضوح أن الانحراف لم يكن عملاً شاذاً من طرف في التحالف وإنما عمل ممنهج مرضيٌ عنه" في إشارة إلى وجود ضوء أخضر سعودي لممارسات الإمارات.

وتساءل عشال في تغريدة عبر تويتر عن موقف السلطات الشرعية في اليمن مما يجري

كان لافتًا ربط التحالف بين الأنشطة في الجزيرة والحرب الدائرة في مأرب، التي تقع في أقصى الشمال الشرقي للبلاد على مقربة من الحدود السعودية، ما اعتبره محللون تلويحاً من التحالف بالتخلي عن مأرب التي تواجه تحشيداً حوثياً، في حال تم إثارة القضية مجدداً، وجزءاً من المساومة في مواجهة أي تحركات يمنية.

وكتب الصحفي اليمني في قناة الجزيرة أحمد الشلفي على حسابه بتويتر قائلا "الإعتراف بوجود قوات إماراتية في الساحل الغربي هو اعتراف ايضًا بوجود القوات الإماراتية في هذه المنطقة"، معتبرًا "تلويح التحالف بالسكوت عن ميون مقابل الدفاع عن مأرب بأنه "تلويح خطير ومكشوف وغير مقبول".

حرص بيان مسؤول التحالف على نفي التقارير حول وجود قوات إماراتية على جزيرتي ميون وسقطرى واصفًا إياها بأنها لا أساس لها من الصحة.

وتكشف هذه التصريحات عن توفير السعودية غطاء للأنشطة الإماراتية غير المشروعة في البلاد الماسة بسيادة البلاد، واستعدادها لتحمل تبعات هذا السلوك مستميتة في الدفاع عن الدور التخريبي للإمارات، وهو عزز الشكوك بوجود تبادل ادوار سعودي إمارات في عديد محاور في الملف اليمني، يكرس إضعاف البلاد واحكام السيطرة عليها بعيداً عن شعارات الحرب.

في سلسلة تغريدات عبر تويتر، رصدها "الحرف28"، قال محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة أحمد الشلفي "إن التعليق على جزيرة ميون ليس من مهام التحالف بدلا عن الحكومة اليمنية، وأن المسألة تخص أرضا تحت سيادتها".

وأضاف أن بيان التحالف "اعتداء آخر على السيادة اليمنية وهو لا يعفي الحكومة من توضيح الحقائق كاملة بحسب ما قرره الدستور اليمني".

انسحاب علني وقواعد لم تعد سرية بغطاء سعودي

وتقوم الإمارات بتشييد القاعدة الجوية في جزيرة ميون، رغم إعلانها في العام 2019 سحبها قواتها من الحرب التي يقول  التحالف  إنه يخوضوها لمساندة الحكومة الشرعية ضد جماعة الحوثيين.

خلافاً لمزاعم بيان التحالف السعودي، أكد السيناتور الأمريكي، كريس ميرفي أن الإمارات لم تغادر اليمن بعد.

وكتب ميرفي في تغريدة على "تويتر: "للتذكير، الإمارات ليست في الواقع خارج اليمن".

بحسب الشلفي فإن اعتراف بيان التحالف بوجود أعمال إنشاءات في جزيرة ميون  تحت سيطرته "اعتراف بوجود قاعدة عسكرية  إماراتية لكن البيان لم يحمل توضيحا حول الآليات القانونية لإنشاء هذه القاعدة العسكرية ولا أجاب عن سؤال وجود إذن من الدولة".

وأردف: "ما قيل في البيان من إن الإمارات تقاتل في مأرب يدحض جميع الروايات التي تقول إن الإمارات انسحبت من اليمن وهذا إشكال قانوني دولي فهي اعلنت الانسحاب رسميا وتمارس أعمال عير قانونية بغطاءات مختلفة ومتعددة".

رئيس مجلس الشورى أحمد عبيد بن دغر بدوره وجه رسالة لرئيس مجلس الوزراء، مرفقة برسالة لعدد من اعضاء المجلس يطالبون بتشكيل لجنة للتحقيق في ما يثار حول أنشطة الإمارات في جزيرتي ميون وسقطرى.

قال بن دغر في رسالته ،حصل الحرف28 على نسخة منها، بصورة واضحة  "إن الأخبار المتواترة بشان انتهاك السيادة الوطنية من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة ومايجري في جزيرتي ميون وسقطرى خلفت قلقاً وطنياً  ما فتيئ يتعاظم ويتزايد مع الأيام".

 وطالب رئيس الحكومة بتشكيل" وفد نيابي وشوروي وحكومي مشترك لزيارة الجزيرتين .. ميون وسقطرى ".

رئيس الحكومة في وضعية الصامت

ومنذ تعيين معين عبدالملك رئيساً للحكومة، وجهت عديد أسئلة بشأن التقارير التي تحدثت عن استحداثات في جزيرة سقطرى تتصل بإنشاء قاعدة عسكرية اسرائيلية فضلاً عن استمرار التصرف الإماراتي بالجزيرة واستقدام سياح وخبراء أجانب.

وسبق للنائبان علي المعمري وعلي عشال توجيه أسئلة قبل أكثر من عام لرئيس الحكومة بهذا الخصوص لكنه لم يرد عليها حتى اللحظة بحسب النائبين، وهو ما يثير العديد من الإستفاهامات حول دور الرجل الذي يعرف بأنه مقرب من السفير السعودي وكان خياراً فرضته الرياض لرئاسة الحكومة الثانية المشكلة حديثاً بمشاركة المجلس الإنتقالي.

 أما مدير مكتب الرئاسة اليمنية الدكتور عبد الله العليمي فقد أكد في تصريح صحفي خلال الشهر الجاري، أن الرئاسة لم تبلغ ببناء الإمارات قاعدة عسكرية وجوية في جزيرة ميون، ما  اعتبره ناشطون بأنه "عذر أقبح من ذنب" وتواطؤ في التفريط على سيادة البلد.

وحتى اللحظة لم يصدر عن الحكومة اليمنية أي تعليق رسمي، باستثناء حديث صحفي لوزير الخارجية احمد بن مبارك إبتعد عن اعلان موقف مباشر حيال ما يحدث هناك واكتفى بنفى وجود أي اتفاق مع الحكومة اليمنية بإنشاء قواعد عسكرية في أي من مناطق البلاد.

لكن تصريحات بن مبارك لوكالة سبوتنيك الروسية، لم يتم نشرها في الحساب الرسمي لوزارة الخارجية ما يشير إلى وجود اتجاه حكومي يقوده رئيس الوزراء يرفض إثارة الموضوع بحسب محللين، في حين يلتزم رئيس الجمهورية الصمت المطبق حيال ما يجري.

وطالب الصحفي الشلفي الحكومة والدولة اليمنية بإصدار بيان فوري " عن بيان كل ما ورد في بيان التحالف الذي وصفه بالخطير  الخطير " ووضعها في حرج  واعترف بوجود قاعدة عسكرية وأخفى هوية المتواجدين فيها وقونن التواجد عليها بغطاء محاربة الحوثيين".

"ميون" وأهميتها الاستراتيجية

تقع جزيرة ميون أو جزيرة بريم، في مدخل مضيق باب المندب، وتبلغ مساحتها 13 كم² وترتفع إلى منسوب 65 م، وإداريًا تعتبر إحدى العزل التابعة لمديرية ذباب (باب المندب) بمحافظة تعز ويبلغ تعداد سكانها 221 نسمة حسب التعداد السكاني في اليمن لعام 2004.

وتعرضت الجزيرة خلال القرنين الخامس عشر والثامن عشر للاحتلال من قبل البرتغال وفرنسا، ليحتلها بعد ذلك البريطانيون مع احتلالهم لعدن في القرن التاسع عشر، وكان يطلق عليها عالمياً جزيرة بريم.

تكتسب جزيرة ميون أهميتها الاستراتيجية من كونها محمية بجبال، وفيها ميناء طبيعي في الجزء الجنوبي الغربي منها، فضلًا عن كونها تربط بين قناة السويس والبحار المفتوحة والمضايق في قارة آسيا، إذ تعتبر ممراً ملاحياً مهماً للتجارة العالمية بين قارات آسيا وأجزاء واسعة من افريقيا، واوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.

ومن هذا المنطلق فإن أي تهديد ينطلق من المضيق وجزيرة ميون يهدد المصالح القومية ليس لليمن فقط، بل لمصر ودول الخليج والقرن الأفريقي، فضلاً عن التجارة العالمية.

وحاول البريطانيون إحداث إنشاءات تعبيراً عن رغبة لوجود دائم في الجزيرة ،فنصبوا فيها فنارات لإرشاد السفن في المضيق لمحاولة الاستفادة منها اقتصادياً.

ومع خروج بريطانيا في ستينيات القرن الماضي من الجنوب، حدث تراجع في تنمية جزيرة ميون وزاد الإهمال بعد الوحدة، ولا سيما بعد حرب 1994 التي خاضها الرئيس السابق علي عبدالله صالح في الجنوب.

وتشير المعلومات إلى أن رجالات النظام السابق، حولوا الجزيرة إلى مكان لتهريب السلاح والمخدرات، فضلاً عن مواد أخرى للتهرّب من دفع رسوم جمركية عليها.

الجزيرة في قبضة الإمارات بعد طرد الحوثيين 

في أكتوبر عام 2015، حررت المقاومة مسنودة بالتحالف العربي عبر عملية إنزال جوي، جزيرة ميون من مليشيات الحوثي وصالح، ومنذ ذلك الحين والجزيرة تخضع تحت مجاميع مسلحة يطلق عليها "النخبة" استقدمتها الإمارات من خارج الجزيرة.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن الإمارات بدأت مطلع عام 2017، بأعمال بناء قاعدة عسكرية جوية في جزيرة ميون، ووثقت حينها مقاطع مصورة تظهر الانتهاء من تشييد مدرج الطائرات في القاعدة.

في فبراير الماضي، حُولت جزيرة ميون رسميًا إلى قاعدة عسكرية إماراتية، بعد شروعها في تفكيك أجزاء من قاعدتها في مدينة عصب الإريترية، والتي كانت تستخدمها لنقل أسلحة ثقيلة وقوات سودانية إلى اليمن.

وكانت صحيفة "العربي الجديد" اللندنية قد كشفت في فبراير الماضي، عن مساعٍ إماراتية لنقل اجزاء من القاعدة العسكرية التي كانت تديرها في دولة إريتريا وبدأت بتفكيكها إلى جزيرة ميون.

وبحسب الصحيفة، فإن المعلومات تشير إلى قيام الإمارات بنقل أكثر من 300 جندي وضابط، بما في ذلك متخصصون في استخدام الطائرات والاستخبارات، كما تم إدخال أجهزة يُعتقد أنها أجهزة اتصالات متطورة وتجسسية.

كما رُصد وجود أجانب في الجزيرة مع ضباط إماراتيين، ونشرت أبوظبي عدداً من المدافع والآليات فيها، إلى جانب مروحيات عسكرية من نوع "بلاك هوك" و"آباتشي".

وتشهد جزيرة ميون تداخلاً في الصلاحيات، فقد كانت تتبع محافظة عدن، لكن بسبب تعديلات أصدرها الرئيس السابق علي عبد الله صالح، أصبحت إدارياً تتبع محافظة تعز، فيما انتخابياً تتبع مديرية المعلا في محافظة عدن.

وكانت مصلحة خفر السواحل قد أعلنت مطلع يونيو عام 2016، عن استكمال استلام مهامها رسمياً من قوات التحالف العربي بجزيرة ميون، ونفت حينها أنباء استلام المصلحة للجزيرة من القوات الإماراتية، لعدم وجود قوات إماراتية فيها كما زعمت.

إسرائيل .. كلمة السر في الدور الإماراتي باليمن والمنطقة

وسلكت الإمارات مسارات متناقضة في الملف اليمني فقد أعلنت نهاية 2019 سحب قواتها المشاركة في التحالف من البلاد ، لكنها في نفس الوقت ظلت تسيطر على عديد مطارات وموانئ حيوية حولتها الى قواعد عسكرية كالمكلا وميناء بلحاف الغازي الضخم، وعدن والمخا التابع لمحافظة تعز.

قبل الحرب كانت الإمارات لاعباً رئيسياً في تدبير الإنقلاب ضد الشرعية، وكشف موقع ميدل ايست آي البريطاني نهاية 2014 عن تقديم الإمارات 2 مليار دولار للحوثيين والرئيس السابق صالح للإطاحة بالسلطة الشرعية والسيطرة على صنعاء، وهو الامر الذي تسبب بإشعال الحرب، لتظهر لاحقاً كجزء رئيسي في التحالف الذي تقوده السعودية بزعم محاربة الانقلاب واستعادة صنعاء.

وبينما كانت تزعم مشاركتها في مواجهة الحوثيين، دعما للشرعية، كانت التقارير الدولية ولجنة العقوبات تتحدث عن أداء ابوظبي دوراً مزدوجاً في الحرب، فقد انشأت تشكيلات مليشياوية مسلحة موالية لها ولا تخضع للحكومة الشرعية يصل قوامها الى 200 الف مجند في الجنوب والشمال، وقصفت الجيش اليمني بشكل علني ومولت ودعمت انقلاب آخر في عدن، كما أنها ظلت ممراً حيوياً لتدفق الأسلحة للحوثيين والطائرات بدون طيار والمشتقات النفطية الإيرانية.

خلال العام الماضي أفصحت الإمارات عن ما كانت تخفيه طيلة عقد من الزمن على الأقل بحسب بعض التقارير، ففيما تحتفظ بعلاقة مميزة مع إيران، أقامت علاقة علنية مع إسرائيل وتبنت سياسات معادية للفلسطينيين وتسعى لطردهم من آخر أراضيهم في القدس، لتكشف عن سر الأدوار المسندة لها في المنطقة، تتجاوز قدراتها الذاتية وحجمها، بتسهيلات دولية واضحة.

ومؤخراً تحدثت التقارير عن شروعها مع إسرائيل في بناء قاعدة عسكرية استخباراتية في جزيرة سقطرى التي تخضع لسيطرة قوات شكلتها باسم الانتقالي الجنوبي الموالي لها، بوجود عسكري سعودي. 

غير أن الجزء الذي ما يزال يثير عديد استفهامات: ما الذي تريده السعودية من اليمن في حرب مدمرة توشك على نهايتها بمفاوضات حوثية سعودية إيرانية، بعد 7 سنوات من الدم، دون تحقيق الهدف المزعوم : انهاء الإنقلاب الحوثي واستعادة صنعاء.

أما الإمارات ومشغليها فقد حققت أهدافها بالسيطرة على مناطق حيوية في البلاد، ودفعت البلاد نحو المزيد من التشظي والانقسام، بحسب ناشطين يمنيين.

 ورغم أن الرياض توحي عبر ناشطيها وبعض كتابها بعدم رضاها عن الدور الإماراتي في اليمن، لكنها تقوم في نفس الوقت في اللحظات الحاسمة بتوفير الغطاء القانوني والسياسي الكامل لأدوار أبوظبي التخريبية في البلاد والماسة بسيادتها، في ظل حالة ضعف وصمت رهيب يلف الشرعية التي باتت آخر من يعلم ولا تفعل شيئاً.  فهل ستكون جزيرة ميون مفتاح يقظة يمنية لتدارك ما يمكن تداركه  أم انها واحدة من قضايا كثيرة لن تتوقف عند الجزيرة الإستراتيجية؟


Create Account



Log In Your Account