قصة الرجل الذي تولى رئاسة مصر لمدة يومين فقط
السبت 10 يوليو ,2021 الساعة: 11:54 مساءً
متابعات

في خطاب التنحي الشهير عقب النكسة في التاسع من يونيو/حزيران 1967، كلف الرئيس جمال عبد الناصر نائبه زكريا محيي الدين بخلافته ليتولى مهام رئيس الجمهورية، قائلا "لقد كلفت زميلي وصديقي وأخي زكريا محيي الدين بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية، وأن يعمل بالنصوص الدستورية المقررة لذلك، وبعد هذا القرار فإنني أضع كل ما عندي تحت طلبه، وفي خدمة الظروف الخطيرة التي يجتازها شعبنا".

لكن أسرار هذا التكليف وذلك الخطاب تظل محل جدل كما ظلت حياة زكريا محيي الدين نفسها ومسيرته السياسية، والتي رفض الحديث عنها على عكس غيره من "الضباط الأحرار" الذين قادوا ثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي أطاحت بالملكية وفتحت الباب أمام إعلان الجمهورية في مصر، فلم يكتب الرجل مذكراته ولم يظهر في حوارات صحفية مثلهم.

ثورة يوليو/تموز
انضم محيي الدين -الذي حلت ذكرى ميلاده قبل أيام، حيث ولد في الخامس من يوليو/تموز 1918- إلى تنظيم الضباط الأحرار قبل قيام "ثورة يوليو/تموز" 1952 بنحو 3 أشهر، وشارك في وضع خطة تحرك القوات، حيث كان المسؤول عنها وقائد عملية محاصرة القصور الملكية في الإسكندرية وقت وجود الملك فاروق الأول فيها.

وشغل محيي الدين عدة مناصب رفيعة في "نظام يوليو"، حيث تولى منصب مدير المخابرات الحربية لمدة سنة واحدة عقب الثورة، ثم منصب وزير الداخلية عام 1953، كما كلفه عبد الناصر بمهمة إنشاء جهاز المخابرات العامة عام 1954م، وشغل منصب وزير الداخلية مرتين ثم رئيسا للوزراء ونائبا لرئيس الجمهورية، واعتزل الحياة السياسية منذ عام 1968 ليقرر الابتعاد عن الأضواء.

وعرف محيي الدين لدى الرأي العام المصري بالقبضة القوية والصارمة نظرا للمهام التي أوكلت إليه باعتباره وزيرا للداخلية ومديرا لجهاز المخابرات العامة.

نكسة يونيو/حزيران
عقب الهزيمة القاسية التي لقيتها مصر أمام إسرائيل وعُرفت إعلاميا باسم النكسة، رفض محيي الدين تكليف عبد الناصر له بتولي السلطة، كما رفضته الجماهير الغاضبة التي خرجت في شوارع القاهرة تطالب عبد الناصر بالبقاء، ولم يلبث أن استقال محيي الدين من منصبه كنائب رئيس الجمهورية في مارس/آذار 1968.

ويحكي الكاتب الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل -في كتابه "الانفجار"- كواليس اختيار عبد الناصر لمحيي الدين كي يتولى خلافته في التاسع من يونيو/حزيران، حيث أراد عبد الناصر اختيار شمس بدران وزير الحربية، لكن هيكل رفض كتابة اسمه في الخطاب الذي كلف بصياغته، فسأله عبد الناصر "إذا لم يكن شمس بدران، فمن؟" فسأله هيكل: من هو الأقدم بين الأعضاء الباقين من مجلس قيادة الثورة؟ فرد عبد الناصر أنه محيي الدين، ووصفه بأنه رجل "عاقل وذكي، فيه ميزات كبيرة، يمكن أن يكون مقبولا دوليا، وهو بالتأكيد قادر على الحوار مع الأميركيين، وهي ضرورة حتمية الآن".

وحسب رواية هيكل، فقد أضاف عبد الناصر أن السوفيات قد لا يعجبهم محيي الدين، وتراجع عن فكرة أن يخبره بأنه اختاره للمهمة قبل أن يعلن ذلك في خطاب التنحي قائلا "لو تحدثت إليه، فمن المؤكد أنه سيعتذر".

ويستطرد هيكل أن محيي الدين اتصل به بعد الخطاب، وكان في دهشة بالغة، وطلب منه إذاعة بيان باعتذاره عن منصب رئيس الجمهورية فورا، بعد أن عرف أن الناس يهتفون ضده في الشوارع ويطالبونه بألا يقبل ما كلف به، وإلا فهو خائن.

رواية الابن
ويحكي نجله محمد زكريا محيي الدين أن والده خرج من بيته منذ الخامس من يونيو/حزيران وسمع خطاب التنحي في مكتبه بمصر الجديدة، ولم يتعرض لأي هجوم كما قيل، لكن بيتهما قد قذفه "بالطوب".

ويضيف الابن -في حوار صحفي في جريدة المصري اليوم– أن الصحفي عادل حمودة نشر خطابا بخط محيي الدين إلى الرئيس جمال عبد الناصر يطلب إبعاد أجهزة الأمن عن اختيار القيادات، لأنه يشعر بأن أجهزة الأمن استفحلت، واعترف هو مرارا بالمسؤولية عن ذلك.

من جهة أخرى، يشير نجل زكريا محيي الدين إلى أن سامي شرف -مدير مكتب عبد الناصر- لا يذكر وجود خطاب استقالة من أبيه لناصر، بينما قال هيكل إنه يظن أن الخطاب موجود، معربا عن اعتقاده بأن ظهور خطاب الاستقالة سيُعرف الرأي العام إلى طريقة تفكير والده الذي كان يعتقد أن ثورة يوليو/تموز حدث ضخم جاء في الوقت المناسب، وأن "التفويض الذي حصل عليه الثوار كان يمكن لو أحسنا استخدامه أن يوصلنا إلى دولة أخرى ومجتمع آخر لكن ذلك لم يحدث".

لماذا بقي صامتا؟
حاول كثير من الصحفيين أن يحاوروا محيي الدين وأن يفتحوا معه ملفات ثورة يوليو/تموز وعصر عبد الناصر، لكنه ظل صامتا، ويعتبر أن مهمته الوطنية انتهت في مرحلة معينة، ولا داعي للحديث واجترار الذكريات، وفق ما يذكره السياسي وسكرتير مبارك الأسبق للمعلومات مصطفى الفقي في مقال له في جريدة المصري اليوم.

ويحكي الفقي تفاصيل لقاء جمعه مع محيي الدين في مطار فيينا عندما كان الفقي سفيرا لمصر في النمسا ومحيي الدين ينتظر موعد طائرته، حيث يصفه بأنه كان "يقظ الذهن تماما، قوي الذاكرة"، فسأله الفقي عن موقفه من الرئيس جمال عبد الناصر، فرد محيي الدين أنه سيحكي له قصة صغيرة حدثت قبيل 23 يوليو/تموز 1952 بليلتين، عندما اجتمع مع عبد الناصر وبعض الضباط في منزل أحد الضباط الأحرار، وشرح محيي الدين لهم التحركات المنتظرة للتنظيم السري ليلة الثورة، بصفته "مسؤول العمليات في التخطيط للتحرك العسكري المطلوب".

ويستطرد الفقي -نقلا عن محيي الدين- أن الأخير علم بعد مغادرته المنزل من بعض الزملاء أن عبد الناصر قال "إن زكريا يتوهم أنه يحرك الأحداث ويعيش في دور قائد الثورة"، وعلق محيي الدين "ومن يومها أدركت أين أقع على خريطة عبد الناصر، والذي لا أنكر عظمته ومكانته برغم ما أعلم وما لا أقول"، وعندما اقترب موعد طائرته ختم حديثه قائلا "هل عرفت لماذا أغلقت فمي لسنوات طويلة؟".

أما الابن محمد زكريا فيرى أن صمت والده متعدد الأسباب، منها التزامه بكتم الأسرار التي عرفها عندما كان مديرا للمخابرات العامة والحربية ووزيرا للداخلية، ومنها كرهه للثرثرة، "وقد رأيته كثيرا يشاهد من يتحدث عن ذكرياته أو مواقفه، فيقول "ما هذه التفاهة؟.. أين الموضوع؟"، وكان من أسباب صمته حزنه على ما آلت إليه حال مصر في 1967 وعلى الأخطاء الفادحة التي وقعت".

ويؤكد الابن أن والده لم يصمت تماما، فقد أجرى عددا من المقابلات الصحفية رغم كرهه لها، مثل لقاءاته مع هيكل ليعطيه ما يريد من معلومات في كتابه "الانفجار".

وفي 15 مايو/أيار 2012، جاءت كلمة النهاية لمسيرة الرجل الذي رحل عن عمر 94 عاما، لتنشر صحيفة الأهرام الحكومية الخبر تحت عنوان "ورحل رجل يوليو الصامت" وتصفه في التفاصيل بأنه "أبرز الضباط الأحرار نائب رئيس الجمهورية ورئيس وزراء مصر السابق‏،‏ كان رجل دولة بحق‏،‏ وصفه السياسيون بأنه الأكثر قدرة على العمل والإنجاز‏،‏ أهّله نجاحه وإتقانه ودأبه لأن يصبح الرجل الأول في الدولة".

المصدر : الجزيرة


Create Account



Log In Your Account