التنمية البشرية في اليمن مزيج من الضعف والتراجع والفشل
الأربعاء 04 يناير ,2023 الساعة: 05:53 مساءً

قبل 32 عاما وتحديدا في عام 1990 أصدرالبرنامج الانمائي للأمم المتحدة التقرير الأول عن التنمية البشرية في البلدان الاعضاء في المنظمة الأممية التي وصل عددها حاليا الى 191 بلدا وفي شهر سبتمبر الماضي نشرالاصدار الأخير من التقرير 2021/2022.

ومن محاسن الصدف ان يتطابق عمر تقرير التنمية البشرية للامم المتحدة مع عمر الجمهورية اليمنية فالاثنين من مواليد العام 1990 لقد اتاح هذا التطابق ليس فقط أن يكون هذا لتقرير بمثابة مرآة عاكسة وسجل حي في مواكبة ورصد التطورات في مسيرة التنمية البشرية للدولة اليمنية الوليدة ولكن أيضا لأن تشكل رؤيته مصدر الهام للحكومة اليمنية لترشيد جهودها في مضمار التنمية البشرية وذلك قبل عقد من السنين على استيعاب تلك الرؤية في خطة التنمية الدولية للامم المتحدة للعام 2015 ولاحقا في المخطط المعروف باجندة التنمية المستدامة للعام 2030.


يتضمن التقرير نشر مؤشر التنمية البشرية كمقياس مقارن للبلدان الاعضاء في الامم المتحدة وترتب هذه البلدان في قائمة المؤشر من المرتفعة جدا في مستوى التنمية البشرية الى المرتفعة الى المتوسطة الى المنخفضة وذلك بحسب نتيجة قياس المؤشر في كل منها حيث تنحصر النتائج في نطاق بين الصفر والواحد الصحيح كأدنى وأعلى قيمة.

يلخص مؤشر التنمية البشرية كمقياس مجمع ما تحقق لشعوب هذه البلدان من انجازات في المكونات أو الابعاد الرئيسية الثلاثة للتنمية البشرية وهي الصحة والتعليم ودخل الفرد، ويستند تقييم البعد المتعلق بالصحة الى متوسط طول العمر والصحة الجيدة ويلتقي هذا البعد مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة وهو " الصحة الجيدة والرفاه " بينما يعتمد قياس بعد التعليم والمعرفة على مؤشرين اثنين هما سنوات الدراسة المتوقعة للاطفال في سن دخول المدرسة ومتوسط سنوات الدراسة للبالغين في عمر 25 سنة وأكثر ويلتقي هذان المؤشران ويعبران عن الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتمثل "بالتعليم الجيد" ويتم تقييم مستوى المعيشة على أساس نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي ومدى مايوفره هذا الدخل من قوة شرائية حقيقية تضمن العيش الكريم ويلتقي هذا البعد من أبعاد التنمية البشرية مع الهدف الثامن من اهداف اجندة التنمية المستدامة للعام 2030.


كان اطلاق التقرير الأول للتنمية البشرية بمثابة اعلان عالمي لبزوغ فجر حقبة للتنمية برؤية جديدة تنقل مركز الثقل من التركيز المفرط على وتيرة الانجاز الاقتصادي المتمثل بمعدلات النمو المرتفع في الانتاج المادي وتحقيق مزيد من تراكم الثروة المادية الى تنمية محورها الانسان أوجزتها العبارة الفريدة في قوتها وكثافة دلالاتها الواردة في مقدمة التقرير "ان البشر هم الثروة الحقيقية للأمم" وجاء تصميم دليل التنمية البشرية على طريق التجسيد الفعلي لهذه الرؤية التي تتأسس على كون الانسان وسيلة التنمية وغايتها وتضع مهمة بناءه وتوسيع قدراته وامكاناته وخياراته كأولوية في توزيع ثمارالنمو الاقتصادي والتخصيص الأمثل لموارد الثروة المادية القومية باعتباره كذلك المدخل الفعال لاعادة انتاجها الموسع استنادا الى واقع العلاقة الثنائية التبادلية بين مستوى التنمية البشرية ووتيرة معدلات النمو الاقتصادي حيث يقترن تعظيم المحتوى الايجابي لهذه العلاقة كرافعة شاملة لتحقيق الازدهار الاقتصادي الاجتماعي بمدى الالتزام بمعايير الحكم الرشيد من جانب وادماج البعد المتعلق باستدامة الموارد الطبيعية والبيئة من جانب آخر. 

لقد اصبح التزام الحكومات وخصوصا في البلدان النامية والأقل نموا بتبني سياسات كلية وقطاعية ترسخ التوجه نحو الارتقاء الدائم بمستوى رفاهية شعوبها من خلال تسريع وتيرة معدلات الانجاز في مختلف أبعاد ومكونات التنمية البشرية بطابعها الأفقي لتحقيق أكبر قدر ممكن من الشمول المجنمعي وتقليص عامل عدم المساواة يمثل المعيار الأبرز في تقييم الموقف الحقيقي لهذه الحكومات من عملية التنمية المستدامة الشاملة لبلدانها وفق الرؤية الجديدة وبالتالي في مدى استيعاب هذه الحكومات لخطط التنمية الدولية المقرة من الدول الاعضاء في الامم المتحدة المتمثلة حاليا بأجندة أهداف التنمية المستدامة للعام 2030 وادماجها في سياق خطط وبرامج التنمية الوطنية والمحلية ومستوى تنفيذها الفعلي الذي يقاس بأثر مخرجاتها في احداث فارق ايجابي قابل للقياس في صالح تحسين نوعية حياة شعوب هذه البلدان، ويتحدد على ضؤ هذا التقييم تحديد أهليتها في الوصول الى مصادر التمويل الدولية والاقليمية للحصول على العون الانمائي والتمويلات الميسرة التي تحتاجها لردم فجوة الموارد المحلية التي تواجه الكثير من هذه البلدن ومن بينها اليمن.

ظهرت اليمن في الاصدار الأول من تقرير التنمية البشرية للامم المتحدة عام 1990 كدولتين شطريتين هما الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ولكونهما مصنفتان من قبل لجنة التنمية للأمم المتحدة ضمن مجموعة البلدان الأقل نموا منذ ان بدأ العمل بهذا التصنيف أوائل السبعينات من القرن الماضي فقد جاءت نتيجة قياس مؤشر التنمية البشرية في كل منهما لتضعهما معا ضمن فئة البلدان منخفضة التنمية البشرية، ومن الجدير بالاشارة ان نتيجة قياس المؤشر في الدولة اليمنية الجنوبية كما هو عليه في العام 1990 فاقت نتيجة الدولة اليمنية الشمالية بحوالي 11 في المئة وتقدمت عليها في الترتيب ضمن قائمة دليل التنمية البشرية العالمي الذي نشر لأول مرة بستة مراكز، برغم ان البعد الخاص بالمتوسط السنوي لدخل الفرد كان أعلى في الدولة الشمالية عنه في الدولة الجنوبية حيث صنفت الأولى ضمن فئة الدول متوسطة الدخل (متوسط دخل الفرد فيها في ذلك الوقت مابين 500$ و 999$) بينما صنفت الأخيرة ضمن فئة الدول منخفضة الدخل (متوسط دخل الفرد لهذه الدول أقل من 500$).

بحسب التقرير الأخير 2021/2022 (تقديرات العام 2021) احتلت اليمن في دليل التنمية البشرية لدول العالم المركز 183 من بين 191 بلدا وبالعودة الى العام 2014 جاء ترتيب اليمن في المركز 160 من بين 188 بلدا وبمقارنة مركز اليمن في العامين 2014 و 2021 نجد انه قبل اندلاع الحرب الحالية كان لدى اليمن أفضلية في مستوى التنمية البشرية على 28 بلدا من بلدان العالم المشمولة في المؤشر ثم تراجعت الأفضلية بعد الحرب التي تقترب من اتمام عامها الثامن بحيث أصبحت مقتصرة على ثمان بلدان فقط وبالتالي فاليمن حاليا واحدة من تسع بلدان هي الأكثر انخفاضا في التنمية البشرية بمختلف أبعادها على مستوى العالم.

غير ان التركيز على الحرب الحالية وما جلبته من دمار وانهيار غير مسبوق حد توصيف الوضع في اليمن من قبل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية على انه اسوأ ازمة انسانية في العالم ومن كونها أي الحرب تسببت حتى عام 2019 في تراجع مكاسب التنمية البشرية بنحو 21 عاما مع تقديرات ان يصل معدل التراجع في مكاسب التنمية في حال استمرار الحرب حتى العام الحالي 2022 – وهو ما حدث - الى حوالي 26 عاما وفق برنامج الامم المتحدة الانمائي بل وماهو أكثر من هذه النتائج قتامة وبؤسا بصدد معاناة السواد الأعظم من اليمنيين من جراء فقدان مصادر الدخل وتدمير سبل العيش وتفشي الفقر والحرمان وانعدام الأمن الغذائي بما في ذلك وصول عدد من يعانوا من سؤ التغذية الحاد في هذا العام الى حوالي 6 ملايين شخص جلهم من الأطفال وتزايد أعداد اليمنيين الذين يحتاجون بدرجة او باخرى للمساعدة الانسانية الى حوالي 24 مليون شخص لاينبغي له ان يحجب عنا رؤية واقع التنمية والمعطيات المعبرة عنه قبل الحرب وعلى مدارعمر الجمهورية اليمنية 1990-2022.


ان نذر الفشل التنموي وأعراضه كانت سابقة في ظهورها على سنوات الحرب الحالية فقد شهدت السنوات 2010-2021 متوسط نمو سالب لمؤشر التنمية البشرية في اليمن بحوالي 1.03% ومع الأخذ في الحسبان شدة وشمول الانهيار التنموي الذي شهدته سنوات الحرب فانها لاتمثل سوى سنوات الذروة لهذا الفشل الذي كان له حضوره بهذه الدرجة او تلك ضمن المزيج الثلاثي الى جانب التراجع وضعف النمو الذي هيمن كاتجاه عام على مسار التنمية البشرية في اليمن، فقد بلغ متوسط نمو مؤشر التنمية البشرية خلال سنوات العشرية 2000-2010 حوالي 1.26% متراجعا بحوالي 0.37% عن متوسط نمو المؤشر لسنوات العقد الأول من عمر الجمهورية اليمنية 1990-2000 البالغ 1.63%. ومع ان هذا المتوسط لمعدل نمو مؤشر التنمية البشرية قد يبدو مقنعا اذا ما تعلق التحليل بدول مستقرة قطعت أشوطا معتبرة في تحقيق الرفاهية لشعوبها فانه يعتبر ضعيف بالنسبة للدولة الجديدة في سنوات عقدها الأول قياسا الى كونها سنوات الاقلاع والانطلاق والتوقعات الكبيرة التي حشدت لها -كما يفترض- طاقات وموارد الدولتين الشطريتين المندمجتين في الاطار الموحد للدولة الوليدة والأهم من هذا قياسا الى خطوط الاساس لابعاد التنمية البشرية التي كانت  في عام الولادة عند مستويات شديدة التواضع.

وبحسب النتائج الاجمالية في مضمار التنمية البشرية بين العامين 1990 و2021 فقد تغيرت قيمة نتيجة مؤشر التنمية البشرية لليمن من 0.383 الى 0.455 بزيادة بنسبة حوالي 19% وهذا التغير جاء كمحصلة مجمعة للتطورات التي شهدتها الأبعاد أوالمكونات الرئيسية الثلاثة للتنمية البشرية وهي الصحة والتعليم ودخل الفرد، حيث زاد متوسط طول الحياة للفرد بحوالي خمس سنوات كمقياس لمدى ما تحقق من تقدم في مستوى الرعاية الصحية المتاحة لليمنيين وفيما يتعلق بقياس ما تحقق من انجازات في التعليم والمعرفة فقد زاد متوسط سنوات الدراسة بحوالي  2.9 سنة فبلغت في العام 2021 حوالي 3.2 سنة بينما زادت سنوات الدراسة المتوقعة بحوالي 2.5 سنة ووصلت الى 9.1 سنة، وقد شهد نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي اليمني الذي يعبر عن التغيرات الايجابية أو السلبية في البعد المحوري للتنمية البشرية كونه المعيار الأكثر فعالية نسبيا لقياس القدرة الشرائية الحقيقية للافراد والاسر وبالتالي الأقرب الى الواقع -على رغم التحفظات عليه- لمعرفة التغير في مستوى المعيشة تراجعا كارثيا خلال سنوات الفترة بين العامين 1990 و2021 بنسبة وصلت الى حوالي 52 في المئة وقد أدى هذا التراجع في الدخول الى تأكل واضمحلال القدرة الشرائية المتاحة للفرد بأكثر من النصف ماتسبب في دفع أكثر من 80% من السكان الى جحيم الفقر والحرمان والجوع مع أهمية ملاحظة ان الجزء المؤثر في هذا التراجع حدث خلال سنوات الحرب الجارية.

ومما يلقي مزيدا من الظلال الداكنة على أوضاع التنمية البشرية في اليمن هو ان تعديل قيمة نتيجة قياس مؤشر التنمية البشرية للعام 2021 بعامل عدم المساواة في توزيع ثمار ما تحقق في أبعاد الصحة والتعليم ومتوسط دخل الفرد تفقد المؤشر نسبة حوالي 33% من قيمته وبالتالي تنخفض من 0.455 كما هو موضح في الفقرة السابقة الى 0.307 فقط وهو مايهوي باليمن الى قاع دليل التنمية البشرية لدول العالم.


وقبل ان ننتقل لمناقشة الاسباب التي يمكن ان تفسر - اضافة الى الحرب الجارية - ضحالة ما تحقق من انجاز على صعيد التنمية البشرية في اليمن لأكثر من تلاثة عقود سنقوم باجراء مقارنة لأبرز المقاييس التي تلخص أوضاع التنمية البشرية في اليمن كما هي عليه للعام 2021 مع دولة أخرى حتى يتضح لمن يقرأنا ماهية هذه المقاييس وما تمثله في الواقع المعاش كمحاولة لمقاربة حجم الفجوة في مضمار التنمية البشرية بين اليمن وبين الدولة الاخرى، ولأجل تحقيق الغرض من اجراء المقارنة فقد وقع اختيارنا على دولة الامارات العربية المتحدة وذلك لسببين: ألاول لكونها احتلت المرتبة الأولى على جميع البلدان العربية والمرتبة 26 من بين 191 بلدا هي جميع البلدان المشمولة في دليل التنمية البشرية العالمي للعام 2021  والثاني لكونها دولة معروفة لدى يعرفها اليمنيين.

ونبدأ المقارنة بين اليمن ودولة الامارات من المرتبة التي احتلها كلا منهما في دليل التنمية البشرية للعام 2021 على مستوى البلدان العربية وعلى مستوى بلدان العالم حيث احتلت اليمن المرتبة الأخيرة بين البلدان العربية (تقدمت فقط على دولة جنوب السودان) وجاءت كما اسلفنا في المرتبة 183 من بين 191 بلدا على مستوى العالم بينما اشرنا الى المرتبة التي احتلتها الامارات على مستوى البلدان العربية وعلى مستوى العالم في الفقرة السابقة وبالتالي فان دولة الامارات تقدمت على اليمن في دليل التنمية البشرية العالمي المنشور خلال العام الحالي بسبعة وخمسون (57) مركزا، ومن حيث قياس مؤشر التنمية البشرية في كلا البلدين فقد كانت نتيجته لليمن 0.455 بينما كانت نتيجتة لدولة الامارات 0.911 بمعنى ان رصيد دولة الامارات يفوق رصيد اليمن في قيمة مؤشر التنمية البشرية بنسبة تزيد قليلا عن 50% اي الضعف تقريبا.

ولمزيد من تبصير القارئ بوضع التنمية البشرية في اليمن من خلال المقارنة بالوضع في دولة الامارات وهو ما يمثل تقريبا مقارنة بين مستوى رفاهية ومعيشة الشعبين في البلدين سنكتفي بتناول أحد محاور أو ابعاد التنمية البشرية الذي نرجح انه الأكثر قدرة والأوضح دلالة في التعبير عن مستوى المعيشة ونوعية حياة السكان في الدولتين وهو المتعلق بمتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الاجمالي في كل من البلدين لنفس العام 2021 الذي الذي اتخذناه اساس لاجراء هذه المقارنة حيث بلغ متوسط دخل الفرد في دولة الامارات حوالي اثنين وستون الف وخمسمئة واربعة وسبعون دولارا (62.574$) بينما بلغ متوسط الدخل للفرد اليمني حوالي الف وثلاثمئة واربعة عشر دولار (1314$) اي ان الفجوة بين متوسط دخل الفرد الاماراتي ومتوسط دخل الفرد اليمني للعام 2021 تقدر بنسبة 98% وهي فجوة مهولة بكافة المعايير اذ تفوق القيمة النقدية لمتوسظ دخل الفرد الاماراتي القيمة النقدية لمتوسظ دخل الفرد اليمني بحوالي ثمانية واربعين ضعفا (48 مرة).

ولمن يرغب في الاستمرار في اجراء المقارنة بين البلدين فيما يتعلق بالبعدين الاخرين من ابعاد التنمية البشرية المتمثلة بالصحة والتعليم فقد أوردنا قيمة كلا منهما بالنسبة لليمن فيما تقدم من هذه المناقشة وفيما يخص دولة الامارات فان قيمة المؤشر الذي يعكس البعد الصحي المتمثل بمتوسط طول الحياة الصحية للفرد هو 78.7 عاما بينما قيم المؤشرين عن التعليم الجيد وهما متوسط سنوات الدراسة وعدد سنوات الدراسة هي 12.7 سنة و15.7 سنة على التوالي لنفس عام المقارنة 2021.  

وبالعودة الى ما سبق اجراء المقارنة فقد تضمن تقرير التنمية البشرية 2021/2022 للأمم المتحدة الذي اتخذ لنفسه عنوانا مثيرا هو " زمن بلا يقين، حياة بلا استقرار: صياغة مستقبلنا في عالم يتحول" الاشارة الى أزمات وأوضاع أدت الى انتكاس التنمية البشرية خلال العامين المتتاليين السابقين عن العام 2021 في 90 في المئة من بلدان العالم جراء جائحة كوفيد-19 وأفاد التقرير بتواصل الاضطراب اكان بسبب استمرار تفشي وباء كورونا بمتحوراته االجديدة المباغته أو جراء الازمات الأخرى أبرزها تداعيات تغير المناخ من كوارث طبيعية وبيئية مزلزلة وأزمة ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة التي ارتبطت بصورة أكبر بالحرب في أوكرانيا بالاضافة الى ماشهده العالم خلال السنوات الاخيرة من نشؤ واتساع ما اسماها التقرير بعقدة عدم اليقين الجديدة.


وبرغم ان اليمن كغيره من بلدان العالم الاقل نموا الأكثر تأثرا بالوضع والازمات الدولية والصدمات الخارجية الا ان الأسباب الحاسمة في صناعة ما يعانيه من الاعاقة التنموية الكلية المزمنة التي تتكثف خطوطها في مضمار التنمية البشرية ذات منشاء داخلي محلي تعود بالدرجة الأولى الى طبيعة "نظام الحكم" الذي تعبر عنه نوعية المؤسسات التي تمارس بواسطتها السلطة لتسيير شؤون البلاد على جميع المستويات وهو ما يتجسد في منظومة ادارة الحكم ومستوى اداءها ودرجة تأثيرها في التنمية وبالتالي فان تقييم التنمية لن يكون موضوعيا ولا مفهوما مالم يرتبط بتقييم موقف نظام الحكم منها كعمليات وكسياسات على ان يجري التقييم استنادا الى واقع ما حققته للمجتمع اليمني خلال اثنين وثلاثون سنة من عمر الجمهورية اليمنية ويقاس الانجاز في مضمار التنمية البشرية بما تحقق من تحسن في نوعية حياة اليمنيين ومن ارتقاء بمستوى رفاهية الانسان اليمني خلال هذه الفترة، فالحالة التنموية اليمنية أكثر تعقيدا وأكثر ترديا في البدايات والمآلات من ان نجد لها تفسيرا مقنعا فيما تناوله تقرير الامم المتحدة للتنمية البشرية للعام 2022 من ملامح المشهد العالمي للتنمية البشرية وما يواحهه من اضطراب وازمات على صعيد دولي.

لقد شهدت أدبيات التنمية خلال العقود الأخيرة زيادة الاهتمام بدراسة العلاقة بين المستوى المحقق من التنمية البشرية في أي دولة ونوعية مؤسسات الحكم فيها وهو ماينعكس في أوضاع ادارة الحكم في هذه الدولة وتبنى منهجية هذه الدراسة على تتبع مدى التجسيد الفعلي لأهم ممارسات الحكم الجيد المتمثلة بالشفافية والمشاركة والمساءلة من خلال تقييم الجوانب أوالعمليات الثلاث للحكم التي يتضمن كلا منها بعدين رئيسيين تشكل معا المؤشرات الستة للحكم الجيد، حيث الجانب الأول: اختيار الحكومة ومراقبتها واستبدالها ويتضمن بعدين رئيسيين هما: ابداء الرأي والمساءلة والاستقرار السياسي وغياب العنف، الجانب الثاني: قدرة الحكومة على صوغ سياسات سليمة وتنفيذها ويتضمن بعدين رئيسيين هما: فعالية الحكومة وجودتها التنظيمية، والجانب الثالث والاخير من جوانب الحكم وعملياته هو: احترام المؤسسات ويتضمن بعدين رئيسيين هما: سيادة القانون والسيطرة على الفساد.

وفي دراسة لأوضاع ادارة الحكم وأثرها على التنمية في اليمن بالاستناد الى وضع اليمن في المؤشرات الستة للحكم الجيد التي ينشرها البنك الدولي سنويا منذ العام 1996 على مستوى دول العالم وذلك لسنوات الفترة 1996-2011 تبين وجود علاقة طردية قوية بين نوعية المؤسسات (منظومة ادارة الحكم) والمستوى المحقق من التنمية حيث اظهرت بيانات جميع المؤشرات الستة لجميع سنوات الفترة المشار اليها قيم سالبة تعبيرا عن وضع اليمن المتردي في مؤشرات ادارة الحكم بكل الابعاد ما يعكس ترديا في نوعية مؤسسات الحكم وآلياته وعملياته التي تمارس بواسطتها السلطة على جميع المستويات وبذلك يتضح ان تفسير المستويات المتدنية من التنمية البشرية خلال نفس السنوات انما يكمن في تردي أوضاع ادارة الحكم وأثرها المثبط والمعيق للتنمية في اليمن.


الخلاصة ان الدولة اليمنية الموحدة منذ تأسيسها في 1990 وحتى العام 2021 عجزت عن تحقيق مكاسب معتبره في مضمار التنمية البشرية ولو بالحد الأدنى كانجاز متطلبات الانتقال الى العتبة الدنيا لفئة البلدان متوسطة التنمية البشرية وعلى العكس ظلت اليمن متقوقعة في فئة البلدان منخفضة التنمية البشرية علما بان الواقع أكثر سوء من هذا التصنيف في عموميته حيث هيمن على مسار التنمية البشرية على مدار أكثر من ثلاثة عقود مزيج من ضعف النمو والتراجع والفشل وصل ذروته خلال سنوات الحرب فقد انزلقت اليمن الى قعر دليل التنمية البشرية لدول العالم وانحسرت التنمية الانسانية بشتى مكوناتها وعناصرها عن السواد الأعظم من اليمنيين لينحصر طموحهم في توفير مايسد رمقهم ويستر حالهم ويعينهم على البقاء والاستمرار بعد ان قيد وصولهم الى الخدمات الأساسية بما في ذلك خدمات الرعاية الصحية والتعليم الحكومي بربط الحصول عليها بدفع مقابل مالي تحت مسميات ومبررات ليس لها أول وليس لها اخر يأتي هذا في ظل تجفيف لم يسبق له مثيل لمصادر الدخول الخاصة للافراد وانخفاض متوالي في المستوى العام للأجور الاسمية اقترن بتأكل القيمة الشرائية للعملة المحلية بالاضافة الى انواع الشرور والممارسات "المالية" الملتوية التي أفرزها تقسيم العملة والنظام النقدي وتداعياتهما المريرة على المواطن المغلوب على أمره.

ولاشك انها مفارقة تفضي الى مزيد من تعقيد الحالة اليمنية وهي ان تستمر معاناة اليمن من تدني مستويات التنمية البشرية بجميع ابعادها ومكوناتها في وقت يتطلب منها ان تسارع الى خوض غمار تحديات وتحولات كبرى كتعزيز التوجه نحو اقتصاد المعرفة ونشر وتوسيع ممارسات الاقتصاد الاخضر وترسيخ مفهوم  الاستدامة والانتقال الى مصادر الطاقة المتجددة جنبا الى جنب مع بناء القدرات الوطنية للتكيف مع تداعيات تغير المناخ وكلها تحديات وتحولات يرتكز النجاح في التغلب عليها وانجازها على الانسان وعلى روح الابداع والابتكار بكافة صورها العلمية التكنولوجية والاقتصادية والثقافية وفي مختلف المجالات ما يعني ان البشر الذين ترقى بهم التنمية الانسانية الى مستوى التأهيل العلمي المهاري الملائم وتنمي لديهم روح المبادرة وحرية الاختيار المقترن بالقدرة على الانجاز المهيئون للانخرط بوعي وحماس في المشاركة والتأثير الفاعل في عملية البناء والتعمير لصناعة الحاضر والمستقبل هم اليوم أكثر من أي وقت مضى الثروة الحقيقية للأمم.


Create Account



Log In Your Account