الخميس 24 مايو ,2018 الساعة: 02:43 صباحاً

ديبريفر - سامي الكاف
لا أحد في اليمن يعرف على وجه الدقة متى يمكن للحرب أن تتوقف وقد دخلت في السنة الرابعة من عمرها. لكن ما زال هناك من يُلوّح بأن نهايتها آتية، و مع ذلك لا يحدد لها موعداً؛ ليس لأنه لا يريد بل لكونه هو الآخر لا يعلم موعداً محدداً لنهايتها.
على أرض الواقع ينشغل الناس في اليمن بأمور أخرى غير الحرب. تعيش الغالبية من السكان في هذا البلد المنكوب من شبه جزيرة العرب في معاناة قاسية ومستمرة و في ظروف أقل ما يمكن وصفها بأنها كارثية في دولة منهارة.
دفعت الحرب البلاد الى شفا المجاعة وفق تقرير سابق لـ"رويترز". و في حين تقول الأمم المتحدة إنّ عشرة آلاف شخص لقوا حتفهم في الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات و ان ثلاثة من كل أربعة يمنيين بحاجة للإغاثة الإنسانية، تواصل شريحة من الساسة حديثها عن الدولة الاتحادية كمشروع مستقبل لليمنيين في حين يذهب آخرون الى تبني مشاريع إنفصالية و أخرى راحت تلجأ إلى هوية أخرى غير الهوية اليمنية.
قبل بضعة أعوام دخل اليمنيون في مؤتمر حوار وطني من أجل تحديد ماهية دولة المستقبل برعاية خليجية كانت قبل ذلك قدمت مبادرة سياسية لانتقال السلطة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي إثر قيام ما سمي بثورة 11 فبراير 2011 وسارت فيها.
في 17 يناير 2015 نشرت الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني في اليمن مسودة الدستور الجديد للبلاد والتي تضم 446 مادة موزعة على 10 أبواب و13 فصلاً.
تضمن الباب الأول الأسس السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، في 14 مادة تتعلق بشكل الدولة والانتماء والتشريع وحقوق المواطن، ونصت المادة الأولى على أن جمهورية اليمن الاتحادية دولة اتحادية، مدنية ديمقراطية عربية مسلمة مستقلة ذات سيادة، وتضمنت المادة الثانية أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، مع التزام الدولة بالاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية، ونصت المادة الرابعة على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع والاجتماع في تقنين أحكام الشريعة مكفول حصراً على السلطة التشريعية. وتضمنت المادة الخامسة أن الشعب هو مالك السلطة ومصدرها يمارسها بشكل مباشر من خلال الاستفتاءات والانتخابات العامة وبشكل غير مباشر من خلال الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
بدا الأمر ـ وقتها ـ بالنسبة إلى كثيرين، مشجعاً، و مثار تفاؤل على نحو لافت، لكن الآن صار عدد الذين يتحدثون عن دولة المستقبل في اليمن قلة و بعض هؤلاء يتحدثون عن الأمر على نحو متشائم.
يبدو السير في طريق الدولة الاتحادية صعباً للغاية إن لم يكن مستحيلاً في ظل تقرير دولي كان أكد عدم وجود دولة في اليمن. ما هو موجود الآن ـ وفق التقرير الدولي الخاص بالأمم المتحدة ـ عدة دويلات تتصارع في ما بينها.
لا تلوح إرهاصات ما على ذهاب الأطراف السياسية في اليمن الى طاولة مفاوضات تنهي النزاع المسلح الدائر في اليمن وتبدو مهمة المبعوث الأممي الى اليمن مارتن غريفيث مستحيلة هي الأخرى.
عوضاً عن ذلك يرى الناظر إلى المشهد السياسي في اليمن الآن وجود مكونات ومجالس ومليشيات صارت مراكز قوى، وبمشاريع غير واضحة، أو تضليلية وفق تعبير أحدهم، وجميعها تستند الى السلاح وكل طرف يريد إلغاء الآخر و إزاحته ليتسنى له الحكم، تالياً.
يقول النائب الأسبق لرئيس مجلس إدارة مؤسسة 14أكتوبر الحكومية للصحافة والطباعة والنشر بعدن عبدالفتاح الحكيمي لـ"ديبريفر": "في الوقت الحالي يصطدم مشروع الدولة الاتحادية بتعدد مراكز القوى العسكرية المسلحة بمشاريعها المناهضة لتبني هذا النهج, كذلك نرى ان البيئة السياسية الراهنة مفخخة بلغة نقيضة للحوار والتفاهمات, بل هي بيئة كيدية انتقامية اختارت العنف المسلح للصدام مع بعضها بعيداً عن مشروع بناء الدولة كدولة وبأي حامل او شكل من أشكال الحكم".
لا تملك الحكومة الشرعية كامل السيطرة على الأرض المحررة الآن. ويستمر الحوثيون، الذين قاموا بانقلاب عسكري مسلح ضد الدولة في 21 سبتمبر 2014م، في إدارة الأرض الواقعة تحت سيطرتهم بقبضة من الحديد والنار ويروّجون لدولة دينية تتبع ولاية السيد عوضاً عن الحديث عن دولة مدنية ديمقراطية حديثة. صاروا الآن يمتلكون صواريخ باليستية يصل مداها الى كل الدول الخليجية بلا استثناء.
يقول الحكيمي: "جزء أساسي من تحالف الحوثيين وشركاءهم في الحرب الراهنة قام على أساس اسقاط مشروع الدولة الاتحادية، حتى سلطة الشرعية التي تتبنى إعلامياً شكل الحكم هذا لا تمتلك القدرة في الدفاع عن نفسها, ولا عن مبادئها ومشاريعها السياسية".
في عدن تبدو الأمور واضحة في ظل من يفرض سيطرته عليها. قال في وقت سابق الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي أحمد حامد لملس ـ محافظ شبوة السابق لصحيفة فرنسية: "أجهزة الأمن الجنوبية، وفي مقدمتها الأحزمة الأمنية، والنخب، تفرض وجودها على الأرض، وتقوم بدور كبير في تثبيت الأمن، ومكافحة الإرهاب".
لا يتحدث المجلس الانتقالي الجنوبي و مناصروه عن اليمن. لا يذكرونها مطلقاً.
يعتبرون أنفسهم غير يمنيين سواء من خلال أحاديثي مع عدد من قياداتهم أو من خلال تصريحاتهم لوسائل إعلام داخلية وخارجية. ويزعمون ان مجلسهم هو الممثل الشرعي والوحيد للقضية الجنوبية. تنتشر كتابات كثيرة وملصقات على جدران عدد من المباني في مديريات عدن تؤكد هذا الزعم.
قبل فترة خالف أحد قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي هذا الزعم الناكر ليمنية الجنوب. كنتُ أقود سيارتي في شوارع عدن ذات يوم قبل بضعة أشهر برفقة صديق لم ألتقه منذ فترة طويلة. فتحتُ مذياع السيارة وكان عضو هيئة رئاسة هذا المجلس مراد الحالمي وزير النقل السابق يؤكد لإذاعة الغد المشرق الإماراتية "أنا من جنوب اليمن و ليس من الجنوب العربي". بدا الأمر غير متوقع، لكن الرجل لم يعد يظهر في وسائل الإعلام بعد ذلك التأكيد.
يقول نائب رئيس الدائرة الإعلامية في المجلس الانتقالي الجنوبي منصور صالح لـ"ديبريفر": "حينما نتحدث عن اليمن فعلينا أولاً ومن منظور الصراع القائم ان نميّز الشمال عن الجنوب فالدولة الاتحادية خيار ملائم في حال تحقق مطلب فك الارتباط للجنوبيين أي أن يكون نظام الدولة الاتحادية هو الخيار الملائم للدولتين في الشمال والجنوب".
في خطاب سياسي يقول رئيس الحكومة الشرعية اليمنية الدكتور أحمد عبيد بن دغر الذي تعرض إلى محاولة انقلاب عسكري فاشلة قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي خلال الفترة 28 – 30 يناير الفائت: "علينا إمعان النظر وإعمال العقل وعلينا تصويب هذا التحول الذي استدعى تطرفاً وغلواً وفوضى في تفكيرنا وسلوكنا يدفعنا للأسف الشديد نحو المجهول. لقد كانت وستبقى مخرجات الحوار الوطني انتاجاً فكرياً متوازناً ومتزناً مراعياً للمصالح المشتركة، واختراقاً ديموقراطياً وفكرياً في حياتنا السياسية فلا إقصاء ولا إلغاء ولا تفريط ولا إفراط، لهذا تجد هذه المنظومة من الفكر السياسي القبول من الغالبية المطلقة من أبناء اليمن. ومن المهم أن يبقى الخلاف حولها في الإطار السلمي".
بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من دولة الإمارات العربية المتحدة وتتنقل قياداته بكل سهولة ويسر بين عدن وأبوظبي، فإن الدولة الاتحادية بأقاليمها الستة، مشروع دولة المستقبل، هو مشروع وُلد ميتاً.
يقول منصور صالح الذي كان يغطي إعلامياً مؤتمر الحوار الوطني طوال فترة انعقاده في صنعاء والتي قاربت عاماً: "ما يتعلق بالدولة الاتحادية المقصودة حالياً ومن ستة أقاليم هذا خيار ولد ميتاً لأنه لم يكن بحثاً عن حل بل رغبة في المناكفة واستهداف الخصوم ففي الشمال تم استهداف سكان ما سمي باقليم آزال والذي يضم أقوى الكيانات القبلية بكيل وحاشد والحوثي وآل الاحمر وفي الجنوب تم استهدافه كقضية عبر تقسيمه".
ومع ذلك "ربما يمكن حلحلة الأمور في حال الدولة الاتحادية من اقليمين مع منح الجنوب وأي اقليم آخر حق تقرير مصيره وبضمانات دولية" يضيف منصور صالح.
لكن ليس كل الجنوبيين يرون ما يراه من يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي. في الواقع يؤكد دبلوماسي جنوبي من عدن استحالة بقاء اليمن بصيغة الشطرين.