"الإتجاه شرقا" .. معركة حقيقية تجري تحت غبار " حرية اليمن السعيد " الموعودة... كيف يعيد التحالف تشكيل الجنوب وتصفية الوجود الحكومي والسعي للتفاوض مع إيران حول الشمال؟
الأحد 16 يناير ,2022 الساعة: 05:58 مساءً
الحرف 28 - تقرير خاص : سلمان شمسان

تدور منذ أسبوعين معارك عنيفة بين العمالقة ومليشيا الحوثي في جبهات مديريات بيحان الثلاث (عسيلان بيحان وعين) ومديرية حريب في مأرب المجاورة لمديرية عين.

رغم التقدم الحاسم لألوية العمالقة فإن معطيات عدة تلوح في الأفق تؤشر إلى أن المعارك التي أعادت زخم الإمارات للمشاركة بقوة في الحرب اليمنية ليست موجهة تماما ضد الحوثيين ولا تستهدف الوصول إلى عمق المناطق التي تحتلها مليشيا الحوثي مثل البيضاء أو الوصول إلى حدود صنعاء.

وعلى العكس من ذلك تقول المؤشرات إن المعارك المقبلة أو الصراعات السياسية ستكون مركزة على محافظات الشرق اليمني وخاصة المهرة وحضرموت، في حين ستتحول الجغرافية الواقعة الى الشمال ساحة معارك ليس لهزيمة الحوثيين بل للتفاوض مع إيران على الأرجح.

محطات سريعة في مضمار المعركة

اجتاحت مليشيا الحوثي البيضاء بعد هزيمة مذلة للحكومة والتحالف على يد الحوثي المدعوم من إيران بعد اعتراض الانتقالي الجنوبي بقيادة صالح السيد لإمدادات العمالقة الذين قدموا لنصرة المقاومة في الزاهر آل حميقان والصومعة وناطع ونعمان. وقد كشف وقتها قيادي في تلك القوات عن الدور الذي لعبه القيادي الإنتقالي في تسجيل صوتي.

وتحولت عملية "النجم الثاقب" من السيطرة على مركز محافظة البيضاء إلى خسارة كلية لأهم محافظة في ميزان الحرب.

بحلول سبتمبر من العام الماضي اقتحم الحوثي مديريات بيحان الثلاث لإسقاط الجبهة الجنوبية من مأرب بعد أن تعثر لمدة تزيد عن سنة ونصف في جبهتي ماهلية ورحبة.

وتمكنت المليشيا الموالية لإيران بعد السيطرة السريعة على بيحان من إسقاط مديريات جنوب مأرب الأربع العبدية والجوبة وحريب وجبل مراد مع نهاية أكتوبر 2021.

فشلت القوات الحكومية في محور عتق وبيحان في لملمة قواها لشن هجوم على مليشيا الحوثي في بيحان وتخفيف الضغط على مأرب التي كادت أن تسقط في بداية ديسمبر بمعارك جبل البلق الشرقي.

بعد تلك الوقائع الميدانية التي أدت إلى ما يشبه الاجتياح الحوثي وسط معلومات ميدانية عن تخادم حوثي إماراتي من خلال بعض الاختراقات في صفوف الجيش في محور بيحان والزعامات المحلية، ذهبت الإمارات والتحالف لحصاد المكاسب السياسية وإعادة تشكيل الخارطة السياسية والعسكرية التي كانت بعيدة عن يد أبوظبي.

عودة إماراتية من بوابة مؤتمر الجنوب

كانت أولى مؤشرات الإستثمار المُلّح وقطف ثمار التنسيق غير المرئي مع الحوثي العودة المفاجئة لعضو مجلس النواب عن المؤتمر في مطلع نوفمبر 2021 الشيخ عوض بن الوزير العولقي إلى مسقط رأسه في مديرية نصاب غربي بشبوة ورفع لافتات تطالب بإسقاط السلطة المحلية التي كان يقودها محمد صالح بن عديو من حزب الإصلاح وطالب أكثر بمحاسبة من أسماهم مسؤولين عن سقوط جبهة بيحان وعن فساد السلطة المحلية التي عرفت بجهودها التنموية النشطة.

في نهاية ديسمبر أصدر هادي بطريقة فيها إذلال كما يقول مراقبون قرارا بتعيين خصم بن عديو محافظا لشبوة وتدفقت آلاف القوات إلى شبوة من العمالقة وهي قوة محلية سلفية منظمة لا تتبع الدفاع وتديرها الإمارات ولم تشترك في أي صراعات داخلية في صفوف القوة المناهضة للحوثي.

السعودية أيضا تميل أكثر للتعامل مع هذه القوات ذات المنزع السلفي الذي دعم بكثافة من الرياض خلال العقود الماضية، بينما تظهر هذه القوات ذات الولاءات الموزعة بين أبوظبي والرياض إلى النأي بنفسها غالبا عن الصراعات الدامية التي غذّتها أبوظبي ضد تشكيلات الجيش الوطني.

وبينما كان العمالقة يتجهون إلى بيحان كانت أوامر المحافظ العولقي تأتي بالسماح لأكثر من ستين آلية قادمة من قاعدة الإمارات في الريان بالمكلا شرقي اليمن بالقدوم إلى عتق باسم قوة دفاع شبوة.

دفاع شبوة لم يكن معروفا من قبل وهو اسم مستحدث لما تبقى من قوات ما يسمى بالنخبة الشبوانية التي شكلتها الإمارات قبل أن تلحق بها القوات الحكومية هزيمة كبيرة في أعقاب سيطرة قوات الانتقالي الموالية للإمارات على عدن بالقوة المسلحة وحاولت السيطرة على شبوة في أغسطس 2019.

بالوقت نفسه افتتحت القاعدة الإماراتية في بلحاف معسكرات جديدة لتجنيد الآلاف في صفوفها وهي التي أسقطت العلم الجمهوري فور وصولها عتق نهاية الشهر الماضي.

كانت منشأة بلحاف أحد أسباب الصراع القوي بين المحافظ السابق بن عديو والإمارات المتمركزة فيه وانتهى بانتصار حاسم للإمارات في صفقة غامضة مع الشرعية يقول بعض المحللين إنها مقابل معركة تنقذ مأرب من السقوط الوشيك بيد الحوثيين وإيران.

الحوثي شمالا .. لكن الاتجاه شرقا!

من أبوظبي قال رئيس الحكومة على قناة سكاي نيوز الإماراتية في حديث مثير إن المعركة بعد شبوة ستتجه شرقا ما أثار عديد أسئلة بشأن بوصلة التحالف والإمارات تحديدا حيث زارها رئيس الحكومة عشية احتفالات رأس السنة وبدا ممتنا لأبوظبي متحدثا عن ان " استعادة الدولة لم تقتصر على الحوثيين فحسب، بل ستتعدى ذلك إلى استعادة الدولة ممن وصفهم بشبكات المصالح ومراكز النفوذ" وكان يعلق بعد يومين على تغيير المحافظ بن عديو.

وتقول معلومات إن رئيس الحكومة كان أحد أكثر المتحمسين لإقالة الرجل.

في العاشر من يناير الجاري أعلنت العمالقة تحرير كامل شبوة، كما لو كانت أنهت مهمتها، لكن العملية العسكرية استمرت في حريب مأرب لتأمين مركز عين المجاور حيث مازال عمليا تحت سيطرة الحوثي ولا يمكن تحريره بدون تحرير حريب.

البيان الذي أذاعته العمالقة دعا سكان شبوة للعمل مع المحافظ الجديد العولقي لحمايتها من السقوط مرة أخرى، ولم تحدد العمالقة وجهتها إلى أين وهو ما قرأه مراقبون على أنه نهاية المهمة بتحرير شبوة بينما قال آخرون إنها لم تنف توجهها شمالاً، في حين تظهر قيادات في تلك التشكيلات رغبتها في الاستمرار بقتال الحوثي، غير ان تلك الأصوات سرعان ما تختفي على وقع خطاب حاسم يرى أن معركة هذه التشكيلات يجب أن تنتهي عند الحدود الشطرية.

المجلس الانتقالي .. مؤشرات التعليمات الإماراتية

قال أمين عام ما يسمى " الجمعية الوطنية " للمجلس الانتقالي الجنوبي احمد بن بريك فور إعلان العمالقة تحرير شبوة إن المجلس الانتقالي يرفض إرسال العمالقة إلى محافظتي مأرب والبيضاء.

بن بريك يتمسك ببقاء هذه القوات داخل الحدود الشطرية لليمن قبل الوحدة، وهو ما قاله قبله مستشار محمد بن زايد عبدالخالق عبدالله في تغريدة أثارت سخطا شعبيا وعبرت عن السياسات الإماراتية الهادفة لتمزيق البلاد.

لكن بن بريك غادر فجأة باتجاه القاهرة ومنها إلى الإمارات وفق إعلام المجلس الانتقالي،  غير أن عيدروس الزبيدي رئيس المجلس ظهر من قناة سكاي نيوز الإماراتية ليلقي بالكرة إلى مرمى التحالف ، مع تحديد خطوط وملامح جغرافيا القتال التي يجب ان تتوقف فيها المعارك وأهدافها العسكرية.

وقال الزبيدي  إن قرار تحرك القوات مرهون بيد التحالف وان المجلس يريد تأمين "عمقه الاستراتيجي" في المحافظات المجاورة للشطر السابق من الجنوب اليمني.

غير أن الناطق باسم المجلس الانتقالي سرعان مالا وجه البوصلة باتجاه آخر فدعا قوات العمالقة والتحالف إلى التوجه إلى مديرية مكيراس جنوبي البيضاء، والهدف بالطبع استكمال السيطرة على آخر المناطق الجنوبية الحدودية التي تتمركز فيها مليشيا الحوثي.

المعركة شرقا باتجاه وادي حضرموت والمهرة

منذ شهرين تقريبا تشهد محافظة حضرموت تحركات عسكرية مكثفة يقودها محافظ المحافظة فرج البحسني.

والبحسني المحافظ هو أيضًا قائد المنطقة العسكرية الثانية بالمحافظة وهو رجل مثير للجدل، فهو محسوب على الإمارات، غير أنه يبدو أحيانا هدفا لأدواتها، ولكنه تلقى مؤخرا تهديدات من القيادي في الانتقالي الجنوبي بن بريك بجره إلى المحكمة الدولية جراء اعتراضه على فتح معسكرات تابعة للانتقالي ومليشيات جديدة له في وادي حضرموت.

ويعمد الانتقالي باسم "الهبة الحضرمية" إلى قطع طرق شاحنات الوقود والتجارة بين وادي حضرموت ومأرب والجوف.

وتعهدت الحكومة بتجنيد عشرة آلاف عنصر منهم عن طريق الداخلية والدفاع وهو ذات الموقف الذي أبداه محافظ المحافظة فرج البحسني.

ويطالب الانتقالي بالسيطرة على وادي حضرموت وإخراج قوات المنطقة العسكرية الأولى منه ويعتبرها قوة تابعة لخصومه ويتهمونها بالولاء لعلي محسن صالح نائب الرئيس.

ويبدو من الحديث الأخير لمعين عبدالملك رئيس الحكومة أنه موافق على نقل تلك القوات من وادي حضرموت في حين يعمل الرجل من عدن تحت سيطرة قوات الانتقالي ومليشياته وسط حالة فوضى ضاربة، بينما لا يبدي أي اهتمام بتنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض كما لا يظهر أي مسؤولية حيال الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنين هناك.

واستمرارا لوعود رئيس الحكومة بالاتجاه شرقًا وإعادة رسم خارطة النفوذ في تلك المناطق بعيدًا عن مؤسسات الدولة المفترضة، كثفت الإمارات من تحركاتها وسط انسحاب سعودي، وأرسلت معدات عسكرية وضباط بالتوازي مع التحركات الأخرى لذراعها المسلح " الانتقالي الجنوبي".

وضاعف هذا الكيان من تحركاته الشعبية بمسميات مختلفة ما دفع محافظ المحافظة محمد علي ياسر الذي يحظى بثقة رئيس الجمهورية ودعمه إلى إعلان حالة الطوارئ.

أما على الجانب الشعبي فقد حذر القيادي في اعتصام المهرة والشيخ القبلي النافذ المدعوم من سلطنة عمان علي سالم الحريزي المجلس الانتقالي من أي مخططات لجلب مليشيات جديدة إلى محافظة المهرة.

وقال الحريزي في تصريحات صحفية إن سكان المحافظة بجميع قواها يرفضون الصراع في المهرة ووجود القوات السعودية والإماراتية فيها.

وتوعد بقتال أي مليشيا تصل المحافظة وقتال السلطة المحلية إن سمحت بذلك.

في الغضون كان ناطق التحالف تركي المالكي يظهر في شبوة الى جانب المحافظ الذي أعلن استكمال تحرير المحافظة من الحوثيين، وقد أطلق من هناك ما يفترض أنها عملية عسكرية جديدة تحت مسمى " حرية اليمن السعيد" لكنه سرعان ما خفف من وطأة الوعد بالحديث عن عملية مختلفة " ليست بالمسمى العسكري التقليدي وإنما للتنمية والبناء" على حد قوله.

وتلقفت القوى السياسية ونخب الشرعية هذا الوعد بالكثير من التفاؤل، في حين رأى البعض هذا الوعد محاولة للتغطية عن ما يجرى من تحركات في المحافظات الجنوبية وتوجيه الأنظار نحو معارك " وشيكة " مع الحوثي الذي استخدمه التحالف طيلة سنوات الحرب غطاء لأهدافه الأخرى.

لا معارك استثنائية حتى الآن ضمن ما يسمى عملية " حرية اليمن السعيد" بينما تفقد الحرب زخمها الذي اكتسبته من معارك تحرير مديريات شبوة لتعود الى وتيرتها السابقة، بينما تأخذ التحركات في المحافظات الجنوبية ضمن عملية " الاتجاه شرقا" زخما وتطورات أكبر وأسرع.

حتى اللحظة ليس معروفا ما هو الاتفاق الذي أبرمته الإمارات مع رئيس الحكومة الذي " بشر" بتلك التحركات وما اذا كانت الترتيبات المزمعة قد تمت مع الرئيس الذاوي في الرياض.

لكن الوتيرة المتسارعة لهذه الأنشطة في المحافظات الشرقية، تشير إلى توافقات بين الرياض وأبوظبي على تقاسم جديد للنفوذ واستلام وتسليم ملفات بهدف إعادة رسم خارطة القوى السياسية والعسكرية على الأرض.

يرى مراقبون أن العاصمتين تسعيان إلى تكريس المزيد من النفوذ في المناطق التي لم تشهد أي مواجهات مع الحوثي وتبعد مئات الكيلو مترات عن الجبهات كما حدث في أرخبيل سقطرى الذي صار مكانا مغلقا لمصلحة أبو ظبي مع إلحاح إماراتي على وضع اليد على حضرموت والمهرة.

إعادة رسم خارطة القوى العسكرية
في الصورة المقابلة، حيث جبهات المواجهات مع الحوثي، شمالًا، فقد عاد إيقاع الحرب
إلى البطء مجددًا مع مراوحة المعارك جنوب مأرب وتحقيق تقدم بطيء للجيش وألوية العمالقة، في حين يجري الحديث عن " نوايا " لتحريك الجبهات في مناطق أخرى وإدخال قوات طارق صالح الموالية للإمارات في معارك "تحرير تعز" وتحريك جبهات الحديدة.

تعكس هذه التطورات مساعي التحالف أيضا لإعادة رسم خارطة القوى العسكرية شمالا، وتمكين التشكيلات الموالية للإمارات أكثر على حساب القوات الحكومية التي يجري تصفية ما تبقى منها في الجنوب و إحلال أخرى بديلة في الشمال.

والأرجح أن تحريك الجبهات الموعودة في الشمال، إن تم بالفعل ليس هدفه تحرير المحافظات الشمالية واستعادة صنعاء بل الضغط على الحوثيين والتفاوض مع إيران لقبول تسوية تضمن اقتسام الشمال بين نفوذ القوى الإقليمية.

أما الجنوب فسيمضي سيناريو تصفيته بشكل تام من أي وجود حكومي، لمصلحة نفوذ أبو ظبي والرياض، والسعي لإضعاف كافة المكونات الجنوبية هناك وتكريسها كقوى وظيفية تحت وصاية العاصمتين.

تدعم هذه القراءة حرص أبوظبي والرياض على إبقاء التشكيلات المسلحة المتنافرة ومتعددة الولاءات هناك بلا قيادة موحدة والخيط الرفيع الذي يجمعها هو التبعية للإمارات والكشوفات المالية السخية للرياض.


Create Account



Log In Your Account