الفن بين الرسالة والحاجة: قراءة متوازنة في ضوء تصريح الفنان صلاح الوافي
الخميس 03 أبريل ,2025 الساعة: 04:43 مساءً

 
أثار تصريح الفنان اليمني صلاح الوافي مؤخرًا، والذي قال فيه إن “الفن ليس رسالة بل حاجة مادية”، جدلاً واسعًا في الأوساط الفنية والثقافية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. انقسم المتابعون بين مؤيد ومعارض، واحتدم الجدل حول “جوهر الفن” ودوره في المجتمع.
وقد اتفق مع الوافي في جزء من رؤيته، إذ لا يمكن إنكار أن للفن جانبًا ماديًا وحياتيًا حقيقيًا، لكن القول بأنه ليس رسالة أبدًا هو اختزال مخل لحقيقة مركّبة، تنبع من عمق العلاقة بين الإبداع والواقع، وبين الفنان ومجتمعه.

الفن، كأي نشاط إنساني عميق، لا يمكن قراءته من زاوية واحدة. ليس هو رسالة خالصة تسبح في المثاليات دون أن تأبه بالخبز، ولا هو مجرد وسيلة رزق تُنتج وتُستهلك كبضاعة. المسألة ليست حديّة ولا تحتمل القسمة بين “إما هذا أو ذاك”، بل هي دعوة لفهم أكثر اتزانًا لوظيفة الفن والفنان في المجتمع.

الفن كرسالة وجودية وثقافية في جوهره، الفن فعل رسالي. هو تعبير عن الذات، وتجسيد للهوية، وطرح للأسئلة الكبرى حول الجمال، والمعنى، والحرية، والعدالة. إنه لغة الوجدان ومجالٌ لصياغة الوعي الجمعي، وبناء الجسور بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والعالم.

وقد لعب الفن دورا محوريا عبر التاريخ في مقاومة القمع، وتثوير الوعي، وتوثيق معاناة الشعوب. من اللوحة التي تفضح الحرب، إلى المسرحية التي تسخر من الاستبداد، إلى الأغنية التي تواسي المقهورين.
الفنان في هذا السياق ليس مجرد “مؤدي”، بل شاهد على عصره، ناقد لواقعه، حامل لحلم التغيير، تمامًا كما يفعل الخطيب في منبره، أو الداعية في رسالته، أو الطبيب في إنسانيته.

في المقابل، لا يمكن أن نتجاهل أن الفنان إنسان، له حاجات ومسؤوليات وأعباء حياتية. لا يُزهر الإبداع في ظل القلق أو العوز. الفن يحتاج إلى بيئة حاضنة، وقت، أدوات، تدريب، وهدوء – وكلها مشروطة بالاستقرار والدعم.

من الظلم أن يطالب الفنان بأن ينتج بلا مقابل، أو أن يمجد فقط حين يضحي دون أجر. مثل الطبيب والمعلم والداعية، الفنان يؤدي دورا مجتمعيا يستحق التقدير والمقابل، لا منّة، بل كحق أصيل له.

الحل لا يكمن في المفاضلة بين “الرسالة” و”المادة”، بل في التوازن بينهما. الفن صناعة ذات رسالة، وأي تقزيم لأحد البعدين يخل بوظيفته. فالاحتراف لا يُفسد المعنى، بل يحفظه حين يُصاحبه الوعي والمسؤولية.

المطلوب تبني رؤية تدمج الفن في سياسات التنمية الثقافية: دعم حكومي، تشريعات ناظمة، معاهد فنية، أسواق إنتاج وعرض، ورعاية مجتمعية ونقد جاد. الفنان لا يستطيع أن “يُصلح العالم” وهو لا يجد منصة لعرض عمله أو دخلًا يتيح له العيش بكرامة.

لكن حين ننظر إلى حال الفن في اليمن، نجد أن ما يقدم في مواسم الدراما – رغم اجتهادات بعض الأفراد – لا يرقى إلى مستوى الفن العربي، بل كثير منه لم يتجاوز بعد مشهد المسرح المدرسي.
المشاهد تتكرر، النصوص سطحية، والرسالة غائبة أو ضائعة. هناك قضايا يمنية كبيرة ومتشعبة: الحرب، النزوح، التمزق الاجتماعي، القهر، الأمل، لكنها لا تُعالج فنيًا إلا بلمسات خفيفة لا تليق بحجم الألم والواقع.

لقد اختارت بعض الأعمال طريق “الضحك المجاني” كهدف وحيد، حتى باتت الفكرة السائدة أن “إضحاك الجمهور” هو جوهر الفن، بينما تغيب الرؤية النقدية، والتوثيق الواقعي، والتحليل العميق للواقع. وهذه ظاهرة لها جذورها: ضعف المؤسسات، غياب التمويل، غياب المعاهد الفنية المتخصصة، وضبابية في تعريف الفن نفسه.

اخيرا تصريح صلاح الوافي – بحد ذاته – ليس مشكلة، بل فرصة لمراجعة عميقة. ما نحتاجه ليس هجاء الفنانين، بل ثورة فكرية وفنية يقودها الفنانون أنفسهم. مراجعة لمفاهيم الفن، للمسؤولية، للرسالة، وللصناعة، تتيح للفن أن يكون منبرا حقيقيا للناس، صوتا للحقيقة، ومساحة للأمل والجمال.

حين نمكن الفنان، يثمر الإبداع. وحين نحترم الفن، نرتقي بذائقة المجتمع، ونُصان ما تبقى من إنسانيتنا في هذا العالم الصاخب.


Create Account



Log In Your Account