الخميس 03 أبريل ,2025 الساعة: 08:10 مساءً
على رصيف القهر، حيث تتكئ الحياة على عصا الهلاك، وحيث تسقط الإنسانية صريعةً في معركة غير متكافئة بين الجوع والترف، كان المشهد مروّعًا حدّ الفاجعة، قاسيًا حدّ أن تتفطّر له القلوب وتتمزّق له الأرواح. رجلٌ أرهقه الزمن وأثقلته الأيام، هدّه الفقر كما تهدّ العواصف بيتًا بلا أعمدة، سقط بجسده الهزيل فوق أرصفة الصمت، لا صوت له سوى أصداء أنينه التي ضاعت بين ضجيج المارّة، لا حركة له سوى ارتعاشة أصابعه التي فقدت قدرتها على التشبّث بالحياة، لا رجاء له سوى نظرة أخيرة إلى سماءٍ لم تمنحه سوى مزيدٍ من الخذلان، وعلى مقربةٍ منه، كان هناك طفلله ينتظر، كان يترقّب يقظةً لن تأتي، كان يراقب جسد والده الممدّد أمامه بعيون لم تعِ بعد أن الجوع ليس نوبة عابرة من الألم، بل حكمٌ بالإعدام لا استئناف فيه، لم يدرك بعد أن اليد التي كانت تمتدّ إليه بحنوٍ قد تيبّست، وأن القلب الذي كان يخفق حبًّا له قد أُخمد تحت وطأة الحاجة التي لم ترحم، ولم يفهم بعد أن والده الذي كان ملاذه وسنده وقوّته قد غادر دون أن يترك له وعدًا بالعودة، فقط كان جالسًا هناك، يتأمّل المارّين بعينين زائغتين، ينتظر أحدهم أن يوقظ والده من سباته الأبدي، لكنه لم يكن يعلم أن والده قد أسلم روحه جائعًا، وقدّم حياته قربانًا لفقرٍ لا يرحم ولظلمٍ لا يُطاق.
لم يكن هذا الرجل سوى رقمٍ جديد في قائمة طويلة من الضحايا الذين سحقهم الاستبداد، أولئك الذين أغلقت في وجوههم أبواب الرزق، أولئك الذين صار الجوع ظلّهم في النهار وشبحهم في الليل، أولئك الذين صار الخبز عندهم حلمًا بعيد المنال في وطنٍ نهبته الميليشيات الحوثيه فصار مجرد مسرحٍ للعبث، حيث ترتع القيادات في نعيمٍ مسروق وحيث تفيض خزائنهم بما سُلب من أفواه الجياع و حيث تُقام الولائم في قصورهم بينما يموت الفقراء على أرصفة الانتظار.
لم يكن موت هذا الأب مفاجئًا، بل كان نتيجة حتمية لنظامٍ جعل قوت الشعب سلعةً للمقايضة، جعل الفقر سياسةً ممنهجة، جعل الموت جوعًا أمرًا مألوفًا لا يُثير استنكارًا، لم يكن الرجل الأول ولن يكون الأخير، فهناك آخرون يسيرون في نفس الدرب، يجرّون أقدامهم المنهكة في أزقةٍ ضاقت بهم، يبحثون عن عملٍ فقدوه، عن أجرٍ لم يعد يصلهم، عن طعامٍ صار ترفًا لا يملكونه، فيما القيادات المترفة تتنقل بين قصورٍ تحرسها الحاشية، تبتسم بلا خجل، تتحدث عن الوطن وكأنها لم تسرق خيراته، تتشدّق باسم الشعب وكأنها لم تتركه يتضوّر جوعًا، يتساقط صريعًا تحت أنقاض الحاجة.
لقد أصبح الرغيف عملةً نادرة و أصبحت المرتبات وهمًا يتلاشى مع كل يومٍ جديد و تحوّلت الأسواق إلى ساحات يسيطر عليها الغلاء، ولم يعد الفقير يملك سوى خيارين، إما أن يمدّ يده للذلّ، وإما أن يسقط صريعًا كما سقط هذا الرجل، لكن من يهتم؟ من سيسمع صوتًا أُخرس منذ زمن؟ من سيشعر بحزن طفلٍ ينتظر أباه أن يستيقظ؟ من سيعنيه أن هناك أمًّا في منزلٍ بعيد ستنتظر عودة زوجها لتدرك أنه قد غادر ولن يعود؟ لا أحد، لأن الوطن الذي كان يومًا حاضنًا لأبنائه صار مسلخًا مفتوحًا، صار مقبرةً واسعةً، صار زنزانةً كبيرةً أُغلقت أبوابها بأيدي من نهبوا ثرواته وجعلوه رهينةً لمشاريعهم وأطماعهم، فلا صوت يعلو فوق صوت الجوع، ولا لغة تُفهم سوى لغة الموت.
لم تكن هذه البلاد يومًا فقيرة، لم تكن يومًا عاجزةً عن إطعام أبنائها، لم تكن أرضها قاحلةً، لم يكن شعبها ضعيفًا، لكن حين يتسلّط الفاسدون و حين تُدار الدولة بعقلية العصابة وحين تُصبح الثروات نهبًا لفئة لا ترى في الشعب إلا وسيلةً للبقاء وحين يُصبح الجوع أداةً للقهر وحين تتحوّل السلطة إلى سيفٍ مُسلّط على رقاب المستضعفين، عندها فقط تُدفن الأوطان قبل أن يُدفن أبناؤها، عندها فقط يصبح المشهد مأساويًّا حدّ أن يموت الأب جوعًا، حدّ أن يجلس الطفل وحيدًا أمام جسدٍ لم يعد يملك أن يجيب، حدّ أن تتكرّر المأساة كل يوم دون أن يهتزّ للظالمين جفن، دون أن يتحرّك العالم لإنقاذ من تبقى، دون أن يُسمع لهذا الشعب سوى صدى صراخه الذي يضيع في الفراغ.
حين يكون الوطن مجرد رقعة شطرنج تحرّكها الأيدي العابثة، يُصبح الشعب الضحية الأولى، يُصبح لقمة سائغة لحيتان الفساد، يُصبح مجرّد حشدٍ تُستنزف طاقته في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل، يُصبح كيانًا مُستباحًا تنهشه الأزمات، تمزّقه الصراعات، يُصبح ضحيةً لكل حربٍ تشتعل بغير إرادته، لكل أزمة تُخلق دون ذنبه، لكل مؤامرة تُحاك على حسابه، يُصبح هذا الأب الذي سقط جوعًا، يُصبح هذا الطفل الذي لم يجد من يعيد إليه دفء الأمان، يُصبح هذا الشعب الذي يكتب تاريخه بالدموع والخذلان.
حسبنا الله ونعم الوكيل