سياسة التعافي… بين الجمل الثامن عشر ومحاكم أمن الدولة
الجمعة 29 أُغسطس ,2025 الساعة: 04:00 مساءً


أعلنت الحكومة في الآونة الأخيرة ما سمّته بـ "سياسة التعافي". وهي بلا شك بشرى حملت في ظاهرها شيئاً من الأمل إلى نفوسنا التي أنهكتها سنوات الحرب. ورغم أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، ورغم ما يخيّم من فقدان الثقة بين الشعب وبقايا مؤسساته، إلا أننا في لحظات من التفاؤل نميل إلى اعتبارها بارقة رجاء تستحق التفكير.

لكن حين نحتك بالواقع، عند شراء الغذاء والماء، يبدو وكأنه "تعافٍ على طريقة اللغة العربية". تلك الطريقة التي تمزج بين التناقضات والمفارقات، فتصبح الكلمة عكس معناها.

فاللغة العربية تحمل في طياتها عجائب المفارقات: فالأعمى يُسمّى "بصيراً"، والصحراء القاحلة تُدعى "مفازة" أي نجاة. فهل الخطاب الرسمي اليوم يحاول أن يعيد تدوير المعاناة بوجهٍ يحمل ملامح التعافي؟ أم أننا حقًا على موعد مع الفرح والأمن الذي طال انتظاره؟

---

سياسة التعافي و"الجمل الثامن عشر"

أكثر ما يخيف المواطن هو أن تتحول سياسة التعافي الحكومية إلى ما يشبه "سياسة الجمل الثامن عشر": حلٌّ في الظاهر، ومشكلة باقية في الجوهر.

وتتلخص الحكاية في الآتي: ثلاثة رجال ورثوا سبعة عشر جملاً. وكانت حصصهم: نصف، وثلث، وتُسع. استعصى عليهم التقسيم، فلجأوا إلى حكيم أضاف جملاً من عنده ليصبح العدد ثمانية عشر. تم التوزيع بسهولة: الأول أخذ تسعة جمال، الثاني ستة، والثالث اثنين… ثم عاد الجمل الثامن عشر لصاحبه. اكتملت القسمة، وبقي أصل الميراث على حاله.

وهكذا يخشى المواطن أن يكون "التعافي" أشبه بذلك الجمل الزائد: يظهر للحظة ليعيد التوازن في الظاهر، ثم يختفي دون أن يغيّر جوهر الأزمة. لكن الفرق أن الحكيم آنذاك كان يسعى لحلٍّ عادل يحفظ التركة ولورثة غير متشاكسين، ولا يريدون حتى الدماء بذبح جمل بينما ورثة اليوم متشاكسون تبدو كأنها تتنازع على حصتها ولو على حساب جسد الوطن.
---
مقومات بناء اقتصاد متعافٍ

إذا كانت الحكومة جادة في وعودها، فعليها أن تضع حقائق ملموسة لمواجهة "اقتصاد الوهم"، وذلك عبر:

1. أمن موحّد: حكومة ذات سيادة على المنافذ والموانئ والضرائب.


2. إدارة الموارد بشفافية: وتصديرها لصالح ميزانية الدولة مع ترشيد للإنفاق.


3. تنمية بشرية: تعليم، صحة، وتأهيل الشباب لسوق العمل.


4. بنية تحتية: كهرباء، طرق، ومرافق تكفل حياة كريمة للمواطن.

---
اقتصاد الأزمات في زمن الحرب

زمن الحروب يولّد اقتصادات موازية تُنهك الدولة، أبرزها:

1. التهريب وتجارة الوقود والمضاربة بالعملة. وقد بدأت الحكومة معالجتها.


2. الجبايات واستغلال المساعدات وتحويلها لمصالح غير مشروعة.


3. أخطرها: اقتصاد السطو على الأراضي.
---
السطو على الأراض تهديد وجودي وعمل إرهابي

يُعد السطو على الأراضي بدون وجه حق من أخطر صور اقتصاد الأزمات. فهو يجمّد سوق العقارات، ويعطّل الاستثمارات، ويقضي على قطاع البناء الذي يُعتبر محركاً رئيسياً للتنمية والعالم كله كان من بين اسباب نهضته الاقتصاد العقاري .

أدت هذه الظاهرة إلى غياب المشاريع السكنية المنظمة، وازدهار البناء العشوائي، مما فاقم أزمة السكن وتشوّه التخطيط العمراني. كما أنها لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تتحول إلى تهديد مباشر للأمن الاجتماعي والسياسي وإنتشار الجريمة. فهي تزرع بذور النزاعات، وتفتح الباب لشبكات نفوذ موازية لسلطة الدولة.

إن استمرار السطو يفرغ الدولة من هيبتها، ويحوّل الملكية العامة والخاصة إلى ساحة صراع. يضرب ثقة المواطن بمؤسساته، ويفقد المستثمرين أي ضمانات للعمل.

والأهم يضعف من شخصية اليمني ويهدد حقه وحريته فالطفل ينشأ على هذه القضايا وتتخلد بذاكرته انه كائن هش أمام لوبيات الاراضي

ولذلك يصبح من الضروري:

إصدار قانون يجرّم السطو ويعتبره قضية أمن دولة وقضايا إرهاب.

إنشاء محاكم خاصة بالسطو مدعومة بوحدة عسكرية مستقلة وعقوبات صارمة لا هوادة فيها.

تفعيل آراضي وعقارات الدولة والاوقاف وكل مكتب له علاقة وربطها بنظام رقمي حديث يمنع التزوير.

ويقع عليهما مسؤلية نشر خريطة إلكترونية تبين ملكيات الدولة (مدارس، حدائق، أوقاف، مرافق عامة) وملكيات القطاع الخاص والأفراد.
---
الخاتمة

التعافي الحقيقي لا يُصنع بالشعارات ولا بالجِمال الزائدة، بل يبدأ من استعادة هيبة الدولة وحماية الأرض. وما لم يحدث ذلك، فلن يكون ما يُسمى "تعافياً" إلا مجرد جمل ثامن عشر جديد.


Create Account



Log In Your Account